واجهت أوروبا خلال العصور الوسطى والحديثة المبكرة حصاراً عثمانياً مطبقاً حال بينها وبين طرق التجارة البحرية والبرية التي تربط أوروبا بآسيا وأفريقيا.
حينها لم تتعامل القوى الأوروبية مع الأمر باعتباره قدراً جغرافياً نهائياً، بل بدأت عملية بحث واسعة عن البدائل.
فكانت «الكشوف الجغرافية الكبرى»، وعلى رأسها رحلات كولومبوس، وفاسكو دا غاما، وماجلان، وفيسبوتشي.
حينها كان اكتشاف الطريق حول رأس الرجاء الصالح إلى المحيط الهندي، والذي ربط العالم من جديد، نقطة تحول أتاحت للأوروبيين الوصول إلى أسواق آسيا وأفريقيا عبر مسار بحري يتجاوز حلقات تحكم العثمانيين حينها في الطرق البرية والبحرية.
ومن ثم ظهرت أمام أوروبا مجالات ديموغرافية واقتصادية جديدة، قبل أن تتحول هذه الاكتشافات لاحقاً إلى أدوات للتوسع الاستعماري وإعادة توزيع القوة والثروة على مستوى العالم.
لكنها سجلت للعالم درساً مفاده أن الطريق الذي يبدو مغلقاً اليوم قد يكون دافعاً إلى اكتشاف طريق آخر غداً، وأن الأزمة التي تبدو في ظاهرها حصاراً قد تتحول، «إذا أُديرت بذكاء»، إلى محفز لإعادة بناء منظومة اقتصادية أكثر تنوعاً وأقل هشاشة.
إن العرب اليوم أمام معادلة مشابهة، فمضيق هرمز وباب المندب ليسا مجرد ممرات مائية فحسب، بل إنهما عقدتان استراتيجيتان في شبكة التجارة والطاقة العالمية، وأي اضطراب في أحدهما ينعكس على النقل وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة والتأمين والأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي.
وذلك يقود إلى سؤال:
كيف يتجاوز العرب عقدة الممرين؟
فبما أن الأمن الاقتصادي يقوم على امتلاك أكثر من طريق، وأكثر من وسيلة نقل، وأكثر من بديل جغرافي، فإن الممر «اليمني ــ الشامي» يمكن أن يكون أحد هذه البدائل.
ولأنه لا يربط اليمن والجزيرة العربية بالشام فقط، بل يربط جنوب العالم بشماله، فقد كانت الإشارة القرآنية إلى رحلتي الشتاء والصيف دلالة مهمة على انتظام حركة التجارة بين المجالات الجنوبية والشمالية للعالم عبر هذا الممر.
ومن هنا يمكن النظر إلى إعادة إحياء الممر المذكور باعتبارها إعادة توظيف لجغرافيا تاريخية في إطار اقتصادي معاصر.
ولأن اليمن يتمتع بموقع يفتح باتجاه المحيط الهندي وشرق أفريقيا وجنوب آسيا، بينما يفتح الشام باتجاه شرق المتوسط وأوروبا وعمق آسيا، فإن ذلك يمثل أرضية مناسبة لإحياء ذلك الممر، بإنشاء شبكة حديثة من الموانئ البرية، عبر شبكة متكاملة من الطرق المتنوعة، على رأسها الطرق الحديدية ذات الطابع التجاري متعدد الوظائف، ومصحوبة بشبكة من مطارات النقل الضخمة ذات البنية اللوجستية المتكاملة.
هذا الممر التاريخي كبديل استراتيجي يمكن وضعه وفق خمسة مستويات:
أولها: بَرّياً، وذلك بإعادة بناء شبكة طرق تجارية تربط الجنوب بالشمال، وتربط الاتجاهين بشرق العالم وغربه.
وثانيها: بَحرياً، بتطوير الموانئ العربية وربطها بشبكات لوجستية تسمح بإعادة توزيع حركة التجارة بين أكثر من ميناء وأكثر من مسار بحري، بدلاً من الارتهان لعقدة واحدة.
أما الثالث: فجَوّياً، بحيث يصبح الاستثمار في الشحن الجوي والمطارات والمناطق اللوجستية مساراً سريعاً لنقل السلع المختلفة.
بينما المستوى الرابع: نعني به «ما تحت البحر»، وذلك بإقامة مشروعات الربط عبر الأنفاق والمنشآت العابرة للمسطحات المائية، خصوصاً مع تطور تقنيات الحفر والأنفاق والهندسة البحرية بصورة متسارعة.
ليأتي المستوى الخامس متعلقاً بالفضاء، والذي يبدو اليوم بعيداً عن مفهوم التجارة التقليدية، لكنه قد يتحول تدريجياً إلى بنية تحتية للاقتصاد العالمي.
فالأقمار الصناعية أصبحت جزءاً من منظومات الملاحة والاتصالات والمراقبة وإدارة سلاسل الإمداد والتنبؤ بالطقس، وربما تتوسع وظائفها مستقبلاً إلى مستويات تجعل الفضاء أحد المكونات الأساسية للبنية التجارية العالمية.
وهكذا يصبح المفهوم المهم للأمن التجاري قائماً على تعدد الوسائط، لا على وسيلة واحدة.
لكن الأهم من ذلك هو ألا يبقى التفكير العربي محصوراً في الطرق التي يستخدمها اليوم.
وفي هذه الحال، يتم التحول من إدارة الأزمة إلى صناعة البديل.
فالدول التي تمتلك طريقاً واحداً يمكن حصارها، أما الدول التي تمتلك شبكة من الطرق والموانئ والمطارات والسكك الحديدية والممرات اللوجستية والبدائل الرقمية والتقنية، فلا يمكن حصارها بسهولة.
لقد أثبت التاريخ أن الحضارات لا تتقدم دائماً عندما تكون الطرق مفتوحة، بل تتقدم عندما تُغلق الطرق أمامها، فتضطر إلى البحث عن طرق جديدة.
وهذا هو الدرس الذي يمكن استخلاصه من تجربة أوروبا في عصر الكشوف الجغرافية.
واليوم، فإن اضطراب الممرات البحرية الحيوية ينبغي ألا يُقرأ فقط باعتباره تهديداً للأمن الاقتصادي العربي، بل باعتباره إنذاراً استراتيجياً يدفع إلى إعادة التفكير في شبكة التجارة العربية بأكملها.
إن إعادة وصل اليمن بالشام عبر الجزيرة العربية، وفق المستويات الخمسة الآنفة الذكر، كفيلة بتحقيق الرؤية الاستراتيجية التي تجعل من الجغرافيا العربية جغرافيا متعددة الشرايين، تتجاوز عقبة أحادية الممرات.