إن أزمة الشرعية اليمنية لم نعد نختصرها في الصراع مع جماعة الحوثي أو في مواجهة النفوذ الإيراني في اليمن لأن جوهر الأزمة مرتبط بطبيعة القرار نفسه.
فمن يملك القدرة على صياغة القرار اليمني ومن يحدد أولوياته ومن يرسم حدود حركته السياسية والعسكرية؟
وهذه إشكالية الوصاية الخليجية .
فبينما استطاع الحوثيون بناء مشروع سياسي وعسكري مرتبط بالمحور الإيراني وجدت الشرعية نفسها في الجهة المقابلة داخل شبكة من المصالح والتحالفات الخليجية التي وفرت لها الدعم والحماية و لكنها في الوقت نفسه حدت من استقلال قرارها.
وهنا تكمن أزمة اليمن عندما نتحدث عن شرعية أداتية تنطلق من مصالحها الخاصة وتوجيهات الوصاية .
فهذه سلطة تقاتل مشروعا خارجيا لكنها لم تستطع حتى الآن أن تنتج مشروعاً وطنيا مستقلا قادرا على التحرر من تأثير الخارج.
وإيران لم تدخل اليمن كقوة احتلال تقليدية وإنما بنت نفوذها عبر تحويل الحوثيين إلى قوة محلية تمتلك قرارا عسكريا وسياسيا أكثر تماسكا من مؤسسات الدولة نفسها.
ومع مرور السنوات أصبح الحوثي يمتلك ما تحتاجه أي قوة لكي يتحول إلى لاعب إقليمي من حيث الجغرافيا والسلاح والقرار المستقل نسبيا وقدرة على استخدام الموقع اليمني وخصوصا البحر الأحمر وباب المندب كورقة ضغط تتجاوز حدود الداخل اليمني.
ولذلك فإن النفوذ الإيراني لم يعد فقط داعما لجماعة مسلحة وإنما أصبح جزءا من معادلة القوة في اليمن.
في المقابل دخلت الشرعية الحرب وهي تفتقد أهم عناصر القوة السياسية مجردة من مركز قرار موحد ومؤسسة عسكرية متماسكة ورؤية واضحة لما بعد الحرب.
ومع اعتمادها الكبير على الدعم الخليجي تحولت العلاقة مع الحلفاء من علاقة مساندة مؤقتة إلى علاقة أكثر تعقيدا اختلط فيها الدعم بالوصاية وأصبح القرار اليمني في كثير من الأحيان محكوما بتوازنات الدول الداعمة ومصالحها وحساباتها الأمنية.
ان الشرعية لم تنجح في تحويل الدعم الخارجي إلى قوة دولة وإنما أصبحت في بعض مراحلها تعتمد على الخارج حتى في إدارة خلافاتها الداخلية داخل الثمانية رؤوس وما حكومة شائع الزنداني وتغيرات الحكومة واخفاقاتها الا دليلا متأصلا على فقدان الشرعية أهليتها السيادية والوطنية وهنا يظهر الفرق الاستراتيجي بين الطرفين.
إيران ساعدت الحوثيين على بناء مركز قوة مستقل عن الدولة بينما ساعدت دول الخليج الشرعية في الحفاظ على وجودها ولكنها لم تستطع ـ أو لم ترغب دائماـ في بناء مركز دولة يملك قرار الحرب والسلام بصورة مستقلة.
واترجم ذلك أنها تفتقد الثقة بالشرعية ومكوناتها وربما اليمن بما فيه من خيار أهل الأرض.
ولذلك أصبح الحوثي يمتلك مشروعا وأدوات القوة بينما تمتلك الشرعية اعترافا دوليا ومقعدا في المؤسسات الدولية.
وبين الاعتراف الدولي والقوة الميدانية نشأت الفجوة بين اليمن والسعودية ودول الخليج وهذه هي التي أطالت عمر الأزمة.
أما الشرعية فقد تعاملت مع الاعتراف الدولي كبديل عن القوة السياسية واكتفت بالوثائق دولية و البيانات السياسية أو المقاعد في المؤتمرات.
ان الشرعية تعني قدرة السلطة على حماية الأرض وإدارة المؤسسات واحتكار السلاح وفرض القانون وتحويل الاعتراف الخارجي إلى سيادة فعلية في الداخل. وعندما تصبح السلطة عاجزة عن ممارسة هذه الوظائف فإن الاعتراف بها يبقى قانونياً أكثر منه واقعيا.
ومن هنا يمكن فهم التناقض الذي حكم مسار الحرب فكلما تقدمت الشرعية في الخطاب السياسي نجد تراجعا في الجغرافيا.
هذه النقطة تحديدا تكشف أن المشكلة ليست في النفوذ الإيراني وحده ولا في الدور الخليجي وحده وإنما في ضعف المركز اليمني.
عندما يغيب المركز القادر على إنتاج القرار المستقل في التوظيف وفي الاختيار وفي الواقع تتحول البلاد إلى ساحة حرب تتنافس فيها مشاريع الآخرين.
ف إيران تبحث عن موطئ قدم استراتيجي في خاصرة الخليج والبحر الأحمر للدفاع عن أمنها القومي ودول الخليج تبحث عن أمنها القومي على حساب مصالح اليمن عمقها الاستراتيجي وامتدادها التاريخي .
والقوى اليمنية المحلية تبحث بدورها عن حماية ومكاسب ومواقع داخل الدولة المستقبلية.
وبين هذه المصالح المختلفة تتراجع فكرة اليمن دولة ومشروعا وسيادة وكرامة ويتراجع مشروعها في استعادة الدولة .
كل هذه الدول المحيطة بنا لا يبحثون عن شخصيات وطنية أو حتى عروبية أو إسلامية وإنما يبحثون عن خبث أهلها والتبعة لا التبابعة.
والنتيجة أن الشرعية وجدت نفسها أمام معضلة مزدوجة فلا تستطيع مواجهة الحوثي من دون الدعم الخليجي ومع هذا لا تستطيع الاستقلال بقرارها..
وفي المقابل فإن استمرار اعتماد الحوثي على الدعم الإيراني لا يلغي حقيقة أنه استطاع بناء منظومة داخلية أكثر قدرة على اتخاذ القرار. وهذه المفارقة هي التي تفسر جانبا مهما من استمرار الحرب.
فالطرف الذي يمتلك مشروعا محليا واضحا حتى لو كان مرتبطا بمحور خارجي يستطيع أن يناور بصورة مختلفة عن سلطة تفتقد مشروعها الخاص.
لذلك فإن تحرير القرار اليمني لا يعني قطع العلاقة مع الخليج أو الدخول في مواجهة مع السعودية والإمارات كما لا يعني تجاهل حقيقة النفوذ الإيراني.
ان الدولة اليمنية تحتاج إلى علاقات قوية مع محيطها العربي ولكنها تحتاج قبل ذلك إلى أن تكون هي صاحبة القرار في تحديد شكل هذه العلاقات.
ان التحالف شيء والوصاية شيء آخر والدعم شيء وإدارة القرار شيء آخر.
وكلما اختلطت هذه الحدود وتحولت الشرعية إلى رهط من الموظفين أصبحت الشرعية أضعف وفسادها أعمق حتى لو زاد حجم الدعم الذي تحصل عليه .
ان المشكلة الحقيقية أن الشرعية لم تستطع حتى الآن أن تحول موقعها الجغرافي والسياسي إلى مشروع وطني جامع ولم تؤسس لها عاصمة في مناطق شرعيتها ولم تتعلم من زيلنسكي الزعيم الأوكراني معنى القرار المستقل ومعنى الدعم الغربي الأمريكي .
إن الشرعية اليمنية هي أزمة وجودية في خاصرة اليمن وكلما طال أمدها في السلطة تأخر استعادة الدولة.
فقد تعددت مراكز القوة داخل المعسكر المناهض للحوثيين برعاية خليجية وتداخلت الولاءات وتناقضت الأولويات وأصبح جزء من الصراع يدور بين القوى بدلا من أن تكون في المعسكر نفسه.
وفي مثل هذه البيئة لا يحتاج العدو إلى تحقيق انتصار شامل وانما يكفي أن يبقى الانقسام قائماً حتى تتحول الحرب إلى حالة استنزاف طويلة.
ومن هنافإن مستقبل الشرعية لن يتحدد فقط بما تفعله إيران أو بما تقرره دول الخليج وإنما بقدرتها على استعادة مركزية القرار اليمني.
فإذا ظلت الشرعية مظلة سياسية تعتمد على اعتراف الخارج ودعم الحلفاء فإنها ستبقى عاجزة عن منافسة الحوثي في معادلة القوة.
أما إذا استطاعت إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس وطني وتوحيد مراكز القوة وفصل القرار العسكري عن التجاذبات الخارجية وتحويل علاقتها بالخليج من علاقة اعتماد إلى شراكة استراتيجية فإن معادلة الحرب ستتغير جذريا.
إن اليمن لا يحتاج إلى استبدال نفوذ إيراني بوصاية خليجية وانما يحتاج إلى استعادة موقعه كدولة تقرر لنفسها.
فالمشكلة ليس في أن يكون لليمن حلفاء وإنما أن يصبح الحليف هو الذي يحدد ما تستطيع الدولة فعله وما لا تستطيع ومن تعين ومن تقصي وهي التي تقرر الهدنة والحرب وهي التي تصنف المكونات بحسب الولاء لها وليس بحسب الولاء للدولة اليمنية.
وفي المقابل فإن مواجهة النفوذ الإيراني لا يمكن أن ت
ينجح عبر سلطة يمنية ضعيفة تستمد قوتها بالكامل من الخارج لأن الفراغ الذي ينتجه غياب الدولة هو البيئة التي تسمح بالنفوذ الإيراني أو بتعدد النفوذ الإقليمي والدولي داخل اليمن .
وفي النهاية فإن المعركة الحقيقية للشرعية ليست مع الحوثي وحده وإنما المعركة الأولى تكمن في استقلالية القرار والالتحام بالارادة الشعبية أو أن ترد السلطة للشعب ومن ثم على المجتمع المحلي أن يعمل على توفير ابسط مقومات الديمقراطية لاختيار من يمثله.
اما في حالة الاعتماد على دول الخليج الشقيقة التي جعلت القرار اليمني موزعا بين الداخل والخارج.
فإن الحوثي استطاع أن يجعل من ارتباطه بإيران مصدرا للقوة بينما لم تستطع الشرعية أن تجعل من تحالفها مع الخليج طريقا الى بناء دولة قوية ومستقلة.
وهذه هي المفارقة التي يجب أن تتوقف عندها النخبة اليمنية ف لن تستعيد الشرعية اليمنية الدولة حت وانتصرت على الحوثي ما لم تستعد أولا قدرتها على إنتاج القرار اليمني المستقل.
ان الدولة التي لا تملك قرارها في زمن الحرب ستواجه صعوبة في امتلاك قرارها في زمن السلم والتنمية تبدأ مع الحرب وليس بعد ذلك.