آخر تحديث :الأحد-27 سبتمبر 2026-01:51ص

حكومة للبناء.. وحكومة للتحرير: المعادلة التي كان يجب أن تبدأ منذ تحرير عدن

الخميس - 10 سبتمبر 2026 - الساعة 10:10 م
سامي السعيدي


تخيلوا لو أن عدن ومأرب والساحل وأجزاء واسعة من تعز وبقية المناطق المحررة، منذ السنوات الأولى للحرب، تحولت إلى نموذج حقيقي للدولة: أمن، كهرباء، رواتب منتظمة، طرق، مستشفيات، استثمار، مؤسسات تعمل، ومدن تتعافى عاما بعد عام.


كيف كان سينظر المواطن في صنعاء أو إب أو ذمار أو الحديدة إلى هذا النموذج، وهو يعيش في المقابل تحت وطأة الحرب والجبايات وتراجع الخدمات وضيق المعيشة؟


من هنا أرى أن أحد أكبر أخطاء إدارة الحرب في اليمن كان الخلط بين حكومة البناء وحكومة التحرير.


كان يفترض، منذ تحرير عدن وأجزاء واسعة من الجنوب وتعز ومأرب والساحل، أن تشكل حكومة حقيقية من أبناء المناطق المحررة، تتفرغ بالكامل لإدارتها وبنائها: الأمن، الخدمات، الرواتب، الكهرباء، الطرق، الاستثمار، الإعمار وتنمية الموارد، حكومة يكون نجاحها محسوسا في حياة المواطن، لا في البيانات والخطابات.


وفي المقابل، تشكل قيادة أو حكومة حرب مصغرة، تكون مهمتها محددة وواضحة: إدارة المعركة لاستعادة المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثي، دون أن تتحول إلى جهة تنازع المحافظات المحررة على إدارتها ومواردها ومشاريعها.


ويواكب ذلك ترتيب إداري واتحادي انتقالي يمنح المناطق المحررة صلاحيات واسعة لإدارة شؤونها وبناء مؤسساتها واستثمار مواردها، بالتوازي مع استمرار مسؤولية الدولة في استعادة المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثي.


المشكلة تبدأ عندما يعين مسؤول كبير لإدارة عدن أو تعز أو حضرموت، بينما بيته وقاعدته الاجتماعية ومصالحه الأساسية كلها في منطقة لا تخضع أصلا لسلطة الحكومة التي يمثلها.


والأخطر أن توجد داخل مؤسسات الشرعية شخصيات لا تملك أصلا الإرادة السياسية الكافية لمواجهة الحوثي، أو تخشى الاصطدام به، بينما تتولى في الوقت نفسه إدارة مناطق يفترض أنها قاعدة مشروع الدولة.


الحل كان — وما يزال — أبسط مما جرى تعقيده وهو: دعوا أبناء المناطق المحررة يديرون مناطقهم ويبنونها، واجعلوا نجاح هذه المناطق نموذجا حيا يراه كل يمني.


عندما يرى المواطن الفرق بين مدينة فيها كهرباء ورواتب ومؤسسات وفرص عمل، ومدينة أنهكتها الحرب والجبايات والفقر، فلن تحتاج الدولة إلى مئات الخطب لتشرح له الفرق بين المشروعين… وحينها ستصبح التنمية نفسها جبهة، وتصبح المدرسة والمستشفى والطريق والكهرباء والراتب المنتظم أدوات سياسية لا تقل أثرا عن أدوات الحرب.


ويتفرغ أبناء المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثي لاستعادة مناطقهم، وهم يعرفون أن خلفهم دولة حقيقية تستحق أن يعودوا إليها.


الحرب لا تحسم بالسلاح وحده؛ أحيانا تحسم عندما يرى الناس بأعينهم أي مشروع يصنع حياة، وأي مشروع يستهلكها.




سامي محمد احمد