اليوم لا نستطيع أن نمر على سقوط المخا وكأنه خبر عسكري عابر، ولا أن نتعامل معه ببرود الأرقام والخرائط، فالمخا ليست مجرد مدينة على الساحل الغربي، وليست مجرد نقطة عسكرية يمكن أن تتغير السيطرة عليها ثم تعود الأمور إلى سابق عهدها، إنها بوابة بحرية وتاريخية وجغرافية تقف على مقربة من باب المندب، ولذلك فإن ما حدث اليوم يوجع اليمني أولاً ، لكنه في الوقت نفسه يجب أن يوقظ العالم كله.
المؤلم أكثر أن السقوط جاء بصورة متسارعة أربكت الجميع وأصابت كثيرا من اليمنيين بالذهول، خصوصاً أن الساحل الغربي لم يكن خالياً من القوات، بل توجد هناك تشكيلات عسكرية كبيرة، وفي مقدمتها قوات حراس الجمهورية والمقاومة الوطنية وقوات أخرى،وتعزيزات من العمالقة الجنوبية ولهذا فإن السؤال الطبيعي الذي يفرض نفسه اليوم كيف انهارت الصورة بهذه السرعة؟ وهل نحن أمام انسحاب عسكري اضطراري وإعادة تموضع فعلاً ؟ أم أن خلف المشهد تفاصيل لم تُكشف بعد؟نحن لا نريد أن نستبق التحقيقات، ولا أن نوزع الاتهامات جزافاً ، لكن من حق الشعب أن يسأل، ومن واجب القيادة العسكرية والسياسية أن تجيب.
فعبارة (إعادة تموضع)لا ينبغي أن تتحول إلى كلمة سحرية تُستخدم كلما فقدنا مدينة أو موقعاً أو جبهة إعادة التموضع قد تكون قراراً عسكرياً مشروعاً عندما تكون لها أهداف واضحة ونتائج محسوبة، لكنها تصبح مثار قلق وتساؤل عندما تتكرر دون أن نرى ثمناً يدفعه الخصم أو مساحة استراتيجية تُستعاد في المقابل ،والسؤال الأكبر إلى أين سيكون التموضع هذه المرة؟إذا كانت المخا قد سقطت، وإذا كانت القوات تتراجع جنوباً باتجاه ذباب، فإن المسألة لم تعد مرتبطة بالمخا وحدها، لأن المعركة تقترب أكثر من باب المندب، وهو الممر الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وأي تغير كبير في ميزان القوة حوله لا يمكن أن يبقى شأنا يمنياً داخلياً .
وهنا تحديداً أعتقد أن على العالم أن يقرأ الرسالة جيداً قد لا يكون الهدف الحوثي من السيطرة على المخا مجرد تحقيق انتصار ميداني جديد، بل ربما يريد الحوثيون الاقتراب أكثر من شريان الملاحة الدولية، وإيصال رسالة واضحة نحن نستطيع الوصول إلى واحدة من أهم بوابات التجارة العالمية
وهذا هو الخطر الحقيقي ،فالذي يحدث اليوم لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره انتصاراً حوثياً وهزيمة للقوات المناوئة لهم بل يجب أن يُقرأ باعتباره تطوراً في معركة أكبر، عنوانها باب المندب وأمن البحر الأحمر وحركة التجارة والطاقة بين الشرق والغرب وقد أشارت تقارير دولية بالفعل إلى أن السيطرة على المخا تمنح الحوثيين أفضلية استراتيجية إضافية بالقرب من باب المندب ،ومع ذلك، ورغم هذا الألم كله، ورغم الجرح العميق الذي أصاب اليمنيين اليوم، فإنني لا أرى أن انتصار الحوثي في المخا يعني بالضرورة أن الحوثيين انتصروا في الحرب ،بل قد يكون العكس تماما ،قد يكون هذا الانتصار، إذا أحسن العالم قراءة المشهد، بداية النهاية السياسية للمشروع الحوثي،لماذا؟
لأن الحوثيين كلما اقتربوا من الممرات الدولية الحساسة، وكلما وسعوا دائرة الخطر خارج الحدود اليمنية، وكلما أصبحت سيطرتهم على الساحل تهديداً مباشراً للملاحة والتجارة العالمية، فإنهم لا يكسبون العالم إلى جانبهم، بل يدفعون العالم إلى النظر إليهم باعتبارهم خطراً يتجاوز حدود اليمن ،لقد ظل الحوثيون سنوات يقدمون أنفسهم للعالم باعتبارهم طرفاً يمنياً في صراع داخلي، لكن الوصول إلى باب المندب وتحويل الساحل الغربي إلى ورقة ضغط على الملاحة الدولية قد يجعل القضية في نظر المجتمع الدولي شيئً مختلفاً تماماً ومن هنا قد يكون انتصار اليوم بداية هزيمة الغد ،هزيمة سياسية قبل أن تكون عسكرية، وهزيمة في الصورة الدولية قبل أن تكون في الميدان.
لكن ذلك كله لا يعفينا نحن اليمنيين من السؤال الأصعب أين الخلل؟ لماذا تتكرر الانهيارات؟ لماذا تتكرر إعادة التموضع؟ ولماذا يدفع المقاتل اليمني الثمن بينما تبقى بعض الأسئلة الكبرى بلا إجابة؟نريد الحقيقة، لا نريد التخوين،نريد تحقيقاً عسكرياً صريحاً ، لا نريد شعارات ،نريد أن نعرف ماذا حدث في المخا، وكيف حدث، ومن اتخذ قرار الانسحاب، وما أهداف المرحلة القادمة، وهل هناك خطة لاستعادة ما خسرناه أم أن الأمر مجرد انتقال من موقع إلى موقع؟المخا اليوم جرح، نعم
لكن الجرح قد يكون جرس إنذار ،وإذا كان الحوثيون يظنون أن دخولهم المخا يعني أنهم اقتربوا من تحقيق حلمهم، فقد يكون عليهم أن يدركوا أن الاقتراب من باب المندب قد جعل مشروعهم أكثر وضوحًا أمام العالم كله.
أما نحن، فلا ينبغي أن نستسلم لصدمة اليوم ،فالأوطان لا تسقط بسقوط مدينة، والجبهات لا تنتهي بخسارة موقع، والمعارك الكبرى لا تُحسم في يوم واحد ،قد نخسر المخا اليوم، لكننا نستطيع أن نعيد ترتيب الصفوف ونستعيد المبادرة غدًا،وقد ينتصر الحوثي في الجغرافيا، لكنه يخسر في السياسة ،وقد يتقدم عسكرياً ، لكنه يقترب أكثر من اللحظة التي يدرك فيها العالم أن الخطر لم يعد محصوراً افي اليمن
ولهذا أقول رغم الحزن ،لا تجعلوا سقوط المخا نهاية الحكاية فقد يكون سقوطها بداية كشف الحقيقة، وبداية نهاية المشروع الذي ظن أن الطريق إلى باب المندب هو طريق إلى النصر ،والتاريخ وحده سيقول لنا: هل كانت المخا بداية تمدد حوثي جديد، أم كانت اللحظة التي جعل فيها الحوثيون أنفسهم أمام العالم كله في مواجهة واحدة؟