آخر تحديث :الأحد-20 سبتمبر 2026-11:23م

الشرق الأوسط بعد إيران: من سيرسم النظام الجديد؟

الخميس - 10 سبتمبر 2026 - الساعة 02:20 م
د. جمال الهاشمي


تعد القراءة الاستباقية من أهم القراءات التي تندرج تحت ما يسمى باستراتيجية مواجهة المخاطر لأنها تنتقل من الوصف ومؤشراته الى التحول وارهاصاته وهذا ما تفتقر له منطقة الشرق الأوسط المزمنة بالأزمات حيث يغلب عليها طابع التكيف أو الارتباط بتكتيكات الآخر.


وبما أن المعركة في الشرق الأوسط لم تعد فقط حول مصير إيران وهذا وصف الحال وأحد مؤشرات التحول حول شكل المنطقة بعد انتهاء المواجهة.

فإذا خرجت طهران ضعيفة أو تغير نظامها فلن يبقى الفراغ السياسي والأمني الذي ستتركه خاليا من صعود وتمكين قوى أخرى جديدة حيث ستتنافس هذه القوى على ملئه وتحديد قواعد المرحلة الجديدة.

بالنسبة إلى ترامب فإن قيمة المواجهة مع إيران ليس في الانتصار العسكري وحده وانما في تحويله إلى إنجاز سياسي واقتصادي، اذ يريد أن يظهر كرئيس أعاد القوة الأمريكية إلى المنطقة من دون أن يورط بلاده في حرب مفتوحة طويلة كما فعل أسلافه.

ومن هذا المنظور، فإن إضعاف إيران يمكن أن يكون مدخلا إلى تسوية إقليمية، تتقاسم فيها القوى الأدوار بينما تحتفظ واشنطن بالمظلة الاستراتيجية وتأتي السعودية ودول الخليج في قلب هذا التصور.

فالعلاقة مع واشنطن تقوم على الأمن والطاقة والاستثمارات والتجارة والسلاح والتكنولوجيا.

وهنا تظهر إسرائيل بوصفها القوة العسكرية والتكنولوجية الأكثر تقدما في المنطقةن وقد ترى واشنطن فائدة في دمج قدراتها داخل منظومة إقليمية تابعة لها حيث توفر الولايات المتحدة المظلة الاستراتيجية بينما تقدم إسرائيل جزءا مهما من القدرات العسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية ويوفر الخليج رأس المال والطاقة والاستثمار بينما تحتفظ تركيا ومصر بأدوار رئيسية بحكم حجمهما وموقعهما.

هذا لا يعني بالضرورة أن واشنطن تريد وضع الخليج تحت قيادة إسرائيل أو جعل إسرائيل مسؤولة رسميا عن أمنه؛ ولكن يمكن أن تكون إسرائيل عنصرا أمنيا متقدما داخل منظومة تقودها الولايات المتحدة.

وفي المقابل ستسعى إسرائيل إلى استثمار تفوقها العسكري في تثبيت وقائع جديدة حول حدودها.

ففي الضفة الغربية يتجه المسار إلى تعزيز السيطرة على الأرض والاستيطان والبنية التحتية في ظل رغبة القيادة الأمريكية في تحقيق ذلك ومعارضة بريطانية اوروبية، وهذا ما يعرف بفرض الواقع بتبريرات أمنية، وكلما ترسخت هذه الوقائع أصبح الانسحاب الكامل أكثر صعوبة سياسيا وخصوصا مع صعود التيار الديني القومي داخل إسرائيل وبهذا التوسع التدريجي ستدخل الأردن ضمن التهديدات الأمنية على اسرائيل بعد الضفة.

وفي جنوب سوريا قد يكون الهدف مختلف، فهو لا يعبر بالضرورة عن ضم الأرض وإنما يأتي الضم التدريجي تحت استراتيجية الاحتفاظ بعمق أمني ومواقع استراتيجية وقدرة على التدخل عند ظهور تهديد بالقرب من الجولان وحماية الأقليات الحليفة لاسرائيل في مواجهة النظام السوري القائم.

أما جنوب لبنان فالمعادلة ترتبط بمنع عودة التهديد إلى الحدود الشمالية وهو ما يعني التمركز العسكري في اهم النقاط الجغرافية التي بدورها ستخلق مواجهة مقاومة جديدة وبالتالي التوسع لمواجهاتها داخل الجغرافيا اللبنانية.

ولهذا تكتسب المواقع المرتفعة والمناطق العازلة أهمية كبيرة في أي تفاوض مستقبلي بين إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة.

وبذلك يمكن النظر إلى الجبهات الثلاث باعتبارها أدوات مختلفة لهدف أمني واحد وهو جعل البيئة المحيطة بإسرائيل أقل قدرة على تهديدها واكثر قابلية لتوسعها عبر عدة ادوات منها خلق النموذج المدني الاسرائيل في ظل استمرار التهديدات والازمات الأمنية للدول المحيطة مما سيؤدي تنامي الوعي المقارن للشعوب المحيطة وهو ما سيجعل من الأمن الاجتماعي ضعيفا والنظم عاجزة عن تحقيق اي قدرات تنموية وأمنية وبالتالي سيكون للتوسع الاسرائيلي مبرراته الأمنية، ومن تحويل التفوق العسكري الاسرائيلي إلى نفوذ طويل الأمد.

لكن هذا التوسع يضع إسرائيل أمام تحد إقليمي؛ فتركيا لا تريد قيام شرق أوسط تكون فيه إسرائيل القوة المهيمنة، ومصر حريصة على الحفاظ على دورها العربي والاستراتيجي، والسعودية تريد الاستفادة من واشنطن من دون التحول إلى تابع لأي قوة أخرى، بينما يبقى الأردن شديد الحساسية لأي تغيير كبير في الضفة الغربية لذلك ستحتاج واشنطن إلى إدارة توازن دقيق بحيث تمكن اسرائيل بدبلوماسيتها بينما تمارس اسرائيل دورها بما لا يؤدي الى تهديد يحفز التعاون بين دول المنطقة لمواجهة التهديد. أما فلسطين فهي الجائزة التي تسعى القيادة الأمريكية الحالية لتمكين اسرائيل في السيطرة عليها مع تثبيت مواقعها على كافة المواقع الجغرافية التي تحت سيطرتها، وهذا يتطلب ايضا خلق تعاوت اقتصادي امني يجعل من دول الخليج تابعة للمظلة الاسرائيلية لمواجهة الازمات التي تهددها من داخلها او من خارجها.

فدعم إسرائيل بلا حدود قد يدفع أنقرة والرياض والقاهرة إلى تعزيز ترتيبات مستقلة، بينما الضغط المفرط على إسرائيل قد يضعف شريكا استراتيجيا تعتمد عليه الولايات المتحدة عسكريا وسياسيا وتزداد أهمية السعودية هنا بسبب القضية الفلسطينية.

فإذا أرادت واشنطن صفقة كبرى تشمل الرياض وإسرائيل فسيكون من الصعب تجاوز المطالب السعودية المتعلقة بالمسار الفلسطيني ومن ثم قد تصبح القضية الفلسطينية جزءا من الصفقة الإقليمية بينما تسعى امريكا واسرائيل لفصل ملف فلسطين عن ملف التطبيع.

أما العامل الديني في الولايات المتحدة فهو عنصر إضافي في المعادلة اذ ان هناك تيار مؤثر داخل الحركة الإنجيلية وخصوصا التيارات المرتبطة بالصهيونية المسيحية وبعض التفسيرات التدبيرية لنبوءات نهاية الأزمنة وينظرون إلى إسرائيل كمكانة دينية وتاريخية خاصة.

وهذا يساعد في تفسير جزء من البيئة السياسية المؤيدة لإسرائيل ولكنه لا يختزل السياسة الأمريكية التي تحركها أيضا المصالح الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية.

وبالنسبة إلى ترامب تتقاطع هذه المصالح مع حساب سياسي وشخصي واضح حيث يريد أن ينسب إليه نجاح تاريخي يجعله خالدا في الذاكرة الأمريكية وفي الوقت ذات يريد إن يحقق مكاسب مادية من خلال ادارته للسلطة.

كما يريد صفقة يمكن تقديمها باعتبارها دليلا على أن أمريكا عادت إلى موقع القيادة وأنه استطاع استخدام القوة والضغط الاقتصادي ثم تحويلهما إلى اتفاقات واستثمارات وترتيبات إقليمية و أنه اخرج المنطقة من حرب دائمة ،ولكن نجاح هذا المشروع لن يتوقف على واشنطن أو إسرائيل وحدهما.

فالسعودية تريد أمنا واستقلالية نسبية وتركيا تريد نفوذا إقليميا يتناسب مع قوتها ومصر تريد الحفاظ على موقعها التاريخي وإسرائيل تريد تثبيت مكاسبها وكل هذه المصالح قد تتعاون في بعض الملفات وتتعارض في ملفات أخرى.

لهذا فإن ضعف إيران إذا حدث فقد ينحسر هذا الخصم الذي كان يجمع أطرافا مختلفة على هدف واحد، وسيكشف في المقابل عن تنافس أعمق على القيادة والنفوذ لأن مساحة اسرائيل ،امريكا ستتسع بشكل أكبر نحو مصالح غير عادلة على حساب دول المنطقة.

اما إذا بقي النظام الإيراني قائما لكنه ضعيف فقد تدخل المنطقة مرحلة احتواء طويلة مع استمرار التفوق الإسرائيلي ومحاولات تركيا والسعودية ومصر منع تحوله إلى هيمنة شاملة.

ولكن إذا حدث تغيير جذري داخل إيران فستسعى امريكا في ظل قيادتها الديمقراطية الجديدة الى منع التنافس بين حلفائها .

وخلال السنوات القادمة ستتحدد الإجابة من خلال ثلاث قضايا مترابطة مع بعضه؛ قدرة إسرائيل على تحويل مكاسبها العسكرية إلى واقع سياسي دائم، وقدرة واشنطن على التوفيق بين إسرائيل وشركائها العرب وتركيا ولكن سيكون على حساب فلسيطن وسوريا ولبنان ومستقبلا الاردن، ومن جهة أخرى قياس قدرة القوى الإقليمية على بناء توازن يمنع احتكار المنطقة من طرف واحد.

وهنا تكمن المفارقة بين إضعاف إيران وإدارة الشرق الأوسط الذي سيأتي بعدها.

فإزالة قوة إقليمية من مركز اللعبة لا يعني أن اللعبة انتهت وانما قد تبدأ بعدها المنافسة الحقيقية بين القوى التي بقيت.