منذ أمس وأنا مخزّن خلف المستشفى البريهي في المنصورة عدن كان معي اخي رامي جريحا في جبهة الوازعية، أتابع الأخبار وأتنقل بين الأخبار القادمة من الجبهات، وكل خبر كان ينزل على القلب كأنه طعنة جديدة...
كنت أظن أنني وحدي أحمل هذه الحسرة، وأن هذا الوجع يسكن صدري وحدي، لكنني اكتشفت أن كل من حولي يحمل الوجع نفسه؛ وجوه شاحبة، عيون مثقلة بالدموع، وقلوب أنهكتها سنوات الحرب والتضحيات.
رأيت من بين مرافقي الجرحى من لم يتمالك نفسه، فانفجر بالبكاء... بكاء رجل فقد شيئا من روحه وهو يرى كل تلك التضحيات والدماء التي سالت، ثم يسمع أخبارا عن سقوط المواقع التي قاتل من أجلها الرجال.
وحين جاء خبر سقوط الوازعية، شعرت أن شيئا ثقيلا انكسر في داخلي...
آه يا حسرتي!
والله ما استطعت أن أحبس دموعي، بكيت بكاء الثكالى، لا على موقع سقط فحسب، ولا على أرض تبدلت فيها موازين المعركة، وإنما بكيت على أرواح رجال رحلوا وهم يظنون أن دماءهم ستبقى سدا منيعا يحمي الأرض والناس.
لكن أكثر ما هزني كان رجل مسن، جاء برفقة ولده الجريح. وحين علم بما يحدث، أخذ يبكي بحرقة ويقول:
"أهلي ليس لديهم أحد... لا أحد سيخبرهم، ولا أحد سيخرجهم الآن."
كانت كلماته أشد من كل الأخبار التي سمعتها...
في تلك اللحظة أدركت أن الحرب ليست خرائط ومواقع ومعسكرات فقط؛ الحرب أم تنتظر خبرا، وأب يحمل وجعا، وجريح يتألم، وشيخ يخاف على أهله، وقلوب أنهكتها الخسارات.
يا الله...
كم هو موجع أن ترى كل هذه الدماء والتضحيات، ثم تشعر أن شيئا مما حلم به أولئك الرجال يتهاوى أمام عينيك.
فقدان الوطن ليس خبرا عابرا...
فقدان الوطن غصة تسكن القلب، ودمعة لا تجد طريقها إلى الجفاف.
اللهم احفظ أهلنا، واحقن دماء الأبرياء، وارحم من رحلوا، واشف الجرحى، واكتب لهذه البلاد أمنا وسلاما وفرجا قريبا.