سر تقدم الجيوش وتحرير المدن في الحروب الحديثة لم يعد يكمن في الكثافة العددية وحدها. الانتصار اليوم تحكمه معادلة معقدة: "التخطيط العسكري + التفوق التكنولوجي + الحاضنة الشعبية". هي معركة إدارة للأرض، وإدارة للعقول، وإدارة للزمن.
وفي اليمن، حيث تواجه الدولة مشروع ميليشيا مسلحة مدعومة من إيران، أصبحت "معركة التحرير الكبرى" اختبارًاحقيقيًا لهذه المعادلة.
أولاً: أسرار التقدم الميداني - 4 محاور حاكمة.
1. التفوق الاستخباراتي والمعلوماتي.
قبل الرصاصة الأولى تبدأ المعركة بالمعلومة.
الاستطلاع المسبق عبر الطائرات المسيرة والأقمار الصناعية لرصد تحصينات العدو وخطوط إمداده.
والحرب الإلكترونية لتشويش منظومات اتصالات العدو والدفاع الجوي وإصابته بـ "الشلل التكتيكي" قبل الهجوم.
2. التخطيط العملياتي والتكتيكات الحديثة.
هنا يظهر مبدأ "الأسلحة المشتركة": تنسيق لحظي بين سلاح الجو والمدفعية والمدرعات والمشاة.
والاعتماد على "الالتفاف والمحاصرة" بدل الهجوم الجبهي المكلف: عزل المدينة وقطع إمدادها.
وفي حرب المدن، تصبح قوات النخبة والقتال القريب وتطهير الأنفاق هي رأس الحربة.
3. الدعم اللوجستي المستدام.
(الجيوش تهزمها الإمدادات قبل العدو. تأمين تدفق الذخيرة والوقود والمؤن، والصيانة الميدانية، والإخلاء الطبي السريع. هذه هي عصب الروح المعنوية التي تمنع "الانتحار التكتيكي" عند التقدم.)
4. الحاضنة الشعبية والعامل النفسي.
لا تحرير بدون شعب. التنسيق مع المقاومة الداخلية وخلايا الاستخبارات داخل المدينة يوفر معلومات حاسمة. والحرب النفسية عبر الإعلام والمناشير تكسر معنويات العدو وتدفعه للاستسلام قبل الاشتباك.
ثانيًا: الركيزة المنسية - تأمين المواقع المؤخرة
كل تقدم عسكري بدون تأمين خلفي هو "انتحار".
وهنا نصل إلى المبدأ الذي أصبح عقيدة قتالية للجيش اليمني اليوم:
( "تواصل الجيوش تقدمها الميداني بمساندة وتنسيق كامل مع قوات تأمين المواقع المؤخرة لضمان ثبات الخطوط الدفاعية ومنع أي اختراق مضاد".)
هذه الصيغة الرسمية تعكس جوهر العمل العسكري الحديث. وتُعرف هذه القوات بـ "قوات النسق الثاني" أو قوات حماية العمق. مهمتها ليست القتال في المقدمة بل
1. تطهير الجيوب: التخلص من العناصر المتبقية خلف القوات المتقدمة.
2. تأمين خطوط الإمداد: حماية طرق الذخيرة والوقود والمساعدات.
3. منع الالتفاف: قطع الطريق على الهجمات المرتدة لعزل القوات الأمامية.
التنسيق الكامل بين الهجوم والتأمين يحول التقدم إلى "ثبات دفاعي". بمجرد السيطرة على موقع، تستلمه قوات التأمين وتبني حزامًادفاعيًا يمنع سقوطه.
هذا ما نراه اليوم في محاور القوات المسلحة اليمنية: (المرحلة الأصعب ليست الاقتحام، بل تثبيت السيطرة وتأمين الطرق الفرعية).
ثالثًا: استراتيجية التحرير في اليمن - من الجبهات إلى الدولة.
اعتمدت الحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، بإسناد من تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة ، استراتيجية "تشتيت القوى والتحرك المتزامن" لإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة.
1. المحور العسكري: فتح جبهات متعددة.
بدل التركيز على جبهة واحدة، يتم استنزاف الميليشيا عبر جبهات متوازية:
- "جبهة الجوف" - البوابة الشمالية: تحرير "اليتمة" ومعسكر "اللبنات" للتضييق على صنعاء من الشمال.
- "جبهة البيضاء - قلب المعركة": أهمية استراتيجية لأنها عقدة إمداد تربط 8 محافظات.
- "جبهات مأرب وتعز والساحل الغربي": التقدم في هيلان والمشجح والكدحة والبرح لتأمين باب المندب وحماية الملاحة الدولية.
2. المحور الأمني: ضبط ما بعد التحرير.
تجهيز وحدات أمنية نوعية لحفظ النظام فور الدحر. وتفعيل الأجهزة الاستخباراتية لضرب الخلايا النائمة والعبوات والتهريب قبل أن تتحول المناطق المحررة إلى بؤر توتر.
3. المحور الاقتصادي: "تجفيف المنابع".
مكافحة تهريب الأسلحة والمسيرات الإيرانية عبر السواحل. وفرض السيطرة على المنافذ والموانئ والمسارات المالية لقطع التمويل الذي يستخدم في التجنيد والتدريب.
4. المحور السياسي والإقليمي.
تعزيز الشراكة مع التحالف وباكستان للغطاء الجوي والردع. وربط معركة التحرير الداخلي بأمن البحر الأحمر وباب المندب لكسب الضغط الدبلوماسي الدولي على طهران. والأهم: الرهان على الحاضنة الشعبية والقبائل والانتفاضة الداخلية ضد المشروع الطائفي نتيجة الانهيار المعيشي في مناطق سيطرة الحوثي.
الخلاصة وزبدة القول : من تحرير الأرض إلى تحرير الإنسان.
معركة التحرير الكبرى في اليمن ليست معركة مدفعية فقط. هي معركة متكاملة: "استخبارات تكشف، وتخطيط يلتف، ولوجستيات تسند، وشعب يحمي ظهر الجيش".
وعندما "تواصل الجيوش تقدمها الميداني بمساندة وتنسيق كامل مع قوات تأمين المواقع المؤخرة" فإننا ننتقل من تكتيك المعركة إلى استراتيجية الدولة.
حينها فقط ننتقل من مرحلة "دحر الميليشيا" إلى مرحلة "بناء الجمهورية".
اليمن اليوم على مفترق: إما دولة مؤسسات، أو ميليشيا إرهابية. والمعادلة واضحة: التحرير يبدأ بالبندقية، ويثبت بقوات تأمين المواقع وتفعيل الخدمات، وينتصر بالوعي..