في المشاهد الصعبة، لا تُقاس حكمة القائد بما يقوله فقط، بل بما يستطيع أن يمنعه من الانفجار، وبقدرته على قراءة اللحظة بكل تعقيداتها، ثم اختيار الموقف الذي يحفظ ما هو أكبر من تفاصيل اللحظة.
ومن هذه الزاوية، يبدو موقف محافظ الضالع اللواء أحمد القُبّة في التعامل مع ما حدث موقفاً بالغ الحساسية، لكنه في الوقت ذاته يعكس قدراً كبيراً من الحكمة والذكاء السياسي والميداني.
فالقُبّة ليس مجرد محافظ للضالع؛ فهو أيضاً قائد محور الضالع، وكان إلى جانب وزير الدفاع خلال الزيارة، ما يضعه في موقع شديد التعقيد بين المؤسسة العسكرية، والسلطة المحلية، والجبهة، والمجتمع.
كما أن حضوره وتنسيقه مع القيادات العسكرية العليا ليس أمراً طارئاً؛ فقد ظهر في أغسطس الماضي خلال زيارة ميدانية مع قائد المنطقة العسكرية الرابعة إلى قطاعات الفاخر وحجر ومريس وباب غلق، ضمن جهود رفع الجاهزية وتعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية.
وهذه الخلفية تجعل قراءة موقفه من الأحداث أكثر أهمية من النظر إليه باعتباره مجرد رد فعل عابر.
القائد الذي يعرف طبيعة أرضه .. القُبّة يعرف الضالع جيداً، ويعرف أن المحافظة ليست مجرد مساحة جغرافية أو موقع عسكري، بل مجتمع له خصوصيته، وذاكرة سياسية وميدانية، وحساسية عالية تجاه كل ما يتصل بالدولة والجيش والقرار المحلي.
ولهذا فإن التعامل مع أي احتكاك أو توتر داخلها يحتاج إلى قائد يدرك أن الكلمة غير المحسوبة قد تشعل ما كان يمكن احتواؤه، وأن التصعيد في لحظة معينة قد يحقق مكسباً آنياً، لكنه يفتح في المقابل أبواباً يصعب إغلاقها.
ومن هنا يمكن فهم هدوء القُبّة في التعاطي مع الموقف باعتباره جزءاً من مسؤولية أوسع: احتواء اللحظة من دون التفريط بثوابت الدولة، وحماية العلاقة مع المجتمع المحلي من دون إضعاف موقع المؤسسة العسكرية.
وهذه ليست مهمة سهلة، فهو يقف في المنتصف بين الدولة والجيش والجبهة والمجتمع، وكل طرف من هذه الأطراف له حساباته وحساسياته، بينما المطلوب من المحافظ أن يحافظ على تماسك الصورة كلها.
لا يبحث عن مواجهة .. بل عن دولة، الأهم في تجربة الضالع أن المجتمع المحلي، رغم كل تعقيدات المشهد، لا يحتاج إلى مزيد من الفوضى أو الصراعات المفتوحة بقدر ما يحتاج إلى دولة تحميه، ومؤسسات تستوعب مطالبه، وسلطة تحافظ على الأمن والاستقرار.
وهنا تحديداً تبدو قيمة موقف القُبّة، فالحفاظ على ارتباط الضالع بالدولة لا يعني بالضرورة الدخول في مواجهة مع المجتمع، كما أن الانحياز لمجتمعه المحلي لا يعني قطع الصلة بمؤسسات الدولة.
القائد الذكي هو من يستطيع أن يحافظ على الخيط الواصل بين الاثنين.
والقُبّة، بحكم موقعه، يدرك أن الضالع لا يمكن أن تكون خارج الدولة، وفي الوقت نفسه لا يمكن إدارة الضالع من دون فهم الضالع وأهلها وتاريخها وخصوصيتها.
إنها معادلة دقيقة: دولة قوية، ومجتمع محفوظ الكرامة، وجبهة متماسكة، وسلطة محلية قادرة على التواصل مع الجميع.
الحكمة أحياناً هي أن تمنع التصعيد قد يرى البعض أن الموقف الحازم هو دائماً الموقف الأكثر قوة، لكن في بعض اللحظات تكون القوة الحقيقية في القدرة على ضبط النفس، واحتواء التوتر، وترك مساحة للحلول السياسية والعسكرية بعيداً عن ردود الفعل المتسرعة.
وهذا ما يمكن قراءته في طريقة تعامل القُبّة مع الموقف، فبدلاً من النظر إلى ما حدث باعتباره مناسبة لتوسيع الخلاف، يمكن قراءة تعامله باعتباره محاولة للحفاظ على توازن بالغ الدقة: عدم السماح بانفلات الموقف، وعدم تحويل حادثة عابرة إلى أزمة أكبر، وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقته بوزارة الدفاع والقيادات العسكرية، وعدم خسارة الشارع المحلي.
وهنا تظهر عقلية القائد الذي يعرف أن مهمته ليست الانتصار في لحظة، وإنما حماية المشهد من الانهيار.
الضالع أولاً.. والدولة أيضاً .. ربما تكمن أهمية موقف القُبّة في أنه لم يتعامل مع المعادلة باعتبارها: إما الضالع أو الدولة.
فالضالع بالنسبة إليه ليست بديلاً عن الدولة، والدولة ليست خصماً للضالع .. بل إن مصلحة الضالع، في جوهرها، أن تكون مرتبطة بالدولة، وأن يكون أبناؤها جزءاً من مؤسساتها العسكرية والأمنية والسياسية، وأن تُحل مشكلاتها من داخل إطار الدولة لا من خارجها.
وهذا تحديداً ما يجعل موقع المحافظ شديد الحساسية .. فهو مطالب بأن يكون قريباً من الناس، لكنه في الوقت ذاته يمثل الدولة.
ومطالب بأن يفهم هواجس المجتمع، لكنه لا يستطيع أن يتخلى عن مسؤولياته تجاه المؤسسة العسكرية .. ومطالب بالحفاظ على الجبهة، دون أن يسمح بأن تتحول الجبهة إلى سبب لانقسام المجتمع .. إنها مسؤولية تحتاج إلى قائد يفهم الأرض، ويعرف الناس، ويدرك حدود اللحظة.
ليس كل ما يحدث يُقال أمام الكاميرات ولا توجد، حتى الآن معطيات كافية تسمح بالجزم بأن ما حدث كان سيناريو مرتباً مسبقاً بين القُبّة وأي طرف آخر، كما لا يصح تحميل الموقف أكثر مما يحتمل أو بناء استنتاجات سياسية قطعية على مشاهد محدودة.
لكن المؤكد أن موقع الرجل يجعله واحداً من أكثر الشخصيات قدرة على فهم طبيعة التوازنات في الضالع .. وربما كانت هناك رسائل قيلت بعيداً عن الكاميرات، أو اتصالات جرت بعيداً عن المشهد العلني، أو تقديرات ميدانية وسياسية لم تظهر تفاصيلها للرأي العام.
ولهذا فإن القراءة الأكثر إنصافاً ليست البحث عن إجابة سريعة لسؤال: مع من كان القُبّة؟
بل السؤال الأهم هو: ماذا حاول القُبّة أن يحمي؟ والإجابة الأقرب إلى منطق موقعه ومسؤوليته: حاول أن يحمي الضالع من الانزلاق إلى مواجهة أكبر، ويحافظ في الوقت نفسه على صلتها بالدولة ومؤسساتها.
موقف قائد لا موقف متفرج .. في النهاية، قد لا تكون الحكمة دائماً في رفع الصوت، ولا في تسجيل موقف صاخب أمام الكاميرات.
أحياناً تكون الحكمة في أن تعرف متى تتقدم، ومتى تتراجع خطوة، ومتى تحتوي الغضب، ومتى تترك للاتصالات والقيادات والمؤسسات مساحة لمعالجة الموقف.
وهذا هو الفارق بين المسؤول الذي يتعامل مع الأحداث بوصفها لحظة عابرة، والقائد الذي يرى ما وراء اللحظة.
ومن هذه الزاوية، فإن موقف اللواء أحمد القُبّة يستحق أن يُقرأ باعتباره موقف قائد يعرف محافظته، ويفهم مجتمعها، ويدرك حساسية موقعها العسكري والسياسي، ويعرف أن الحفاظ على الضالع لا يكون بدفعها نحو مزيد من التوتر، وإنما بالحفاظ على تماسكها وارتباطها بالدولة.
فالضالع التي يريدها أهلها ليست ضالع الفوضى، ولا ضالع القطيعة مع الدولة، وإنما ضالع آمنة، قوية، حاضرة، ومتصلة بمؤسسات الدولة.
وربما كانت براعة القُبّة في هذه اللحظة تحديداً أنه فهم هذه المعادلة جيداً: أن تكون ابن الضالع دون أن تضعها في مواجهة مع الدولة، وأن تكون رجل الدولة دون أن تخسر مجتمع الضالع.
وهذه، في جوهرها، ليست معادلة سهلة، إنها مهمة قائد يعرف أن بعض الانتصارات لا تُقاس بما كسبه في المواجهة، وإنما بما نجح في منعه من أن يتحول إلى مواجهة.