آخر تحديث :الأربعاء-09 سبتمبر 2026-12:15م

حضرموت.. حين يصبح حقها منّة وراتب معلمها رهينة الـ20%!

الثلاثاء - 08 سبتمبر 2026 - الساعة 11:04 م
م. صالح بن سعيد المرزم


هناك لحظة تصل فيها المهزلة السياسية إلى درجة لا يعود معها المرء يعرف: أيغضب أم يضحك؟


وفي حضرموت يبدو أننا تجاوزنا تلك اللحظة منذ زمن؛ فالمحافظة التي تملك الأرض والثروة والموانئ والنفط والموقع الاستراتيجي، أصبح أبناؤها ينتظرون أبسط حقوقهم وكأنهم يطلبون صدقة من أحد.


المشكلة لم تعد فقط في نقص الخدمات، ولا في تأخر الرواتب، ولا في الكهرباء التي أصبحت عنوانًا دائمًا للفشل، بل في العقلية التي تُدار بها حضرموت نفسها: عقلية تتعامل مع ثروة حضرموت وكأنها مال قادم إليها من الخارج، ومع حقوق الحضارم وكأنها مِنح تحتاج إلى مفاوضات ووعود وانتظار.


ولعل التصريح الأخير للعم سالم الخنبشي يختصر المشهد كله.


سُئل عن رواتب المعلمين.


والسؤال في حد ذاته مؤلم؛ لأن راتب المعلم ليس مكرمة، ولا إعانة، ولا جائزة تمنحها السلطة عندما تتحسن أحوالها المالية. إنه حق مقابل عمل، ومسؤولية أساسية على الدولة والسلطة القائمة.


لكن الإجابة جاءت :


«أوعدكم، إذا تحصلنا على الـ20% من حصة حضرموت، سنصرف رواتب المعلمين!»


يا سلام!


هذه الجملة وحدها تحتاج إلى مؤتمر اقتصادي لفك طلاسمها!


حضرموت تنتج المال، ثم تنتظر السلطة المحلية أن تتحصل على نسبة من مال حضرموت، ثم ينتظر المعلم أن تصل تلك النسبة حتى يحصل على راتبه!


فمن صاحب المال هنا؟ ومن المستفيد؟ ومن الذي ينتظر من؟


منذ متى أصبحت رواتب المعلمين مرتبطة بكلمة «إذا»؟


إذا وصلتنا الـ20% صرفنا.


طيب، وإذا لم تصل؟


هل يذهب المعلم إلى الفصل ويشرح للطلاب على السبورة:


الراتب = 20% × حصة حضرموت × مشيئة الحكومة؟


وهل يضع في نهاية المعادلة:


إذا وصلت النسبة نأكل، وإذا لم تصل نصبر؟!


هذه ليست إدارة مالية لمحافظة بحجم حضرموت.


هذه، مع كامل الاحترام، أقرب إلى جمعية شهرية:


إذا اكتمل المبلغ، جاء دور المعلمين!


والأغرب أن الحديث ليس عن مساعدات أجنبية، ولا قرض من البنك الدولي، ولا منحة تنتظرها حضرموت من دولة أخرى.


إننا نتحدث عن حصة حضرموت من موارد حضرموت!


وهنا تكمن المفارقة التي يجب أن يفهمها كل حضرمي.


لقد جرى قلب العلاقة بين المواطن والسلطة رأسًا على عقب.


بدلًا من أن يسأل المواطن السلطة: أين ذهبت موارد أرضي؟


أصبحت السلطة تقول له: انتظر حتى يعطونا شيئًا من موارد أرضك، وبعدها ربما نعطيك حقك!


وهكذا يتحول الحق إلى منّة، والثروة إلى حصة، والراتب إلى وعد، والمواطن إلى منتظر.


وهذه أخطر من أزمة الرواتب نفسها؛ لأنها تعكس ثقافة سياسية كاملة جرى تكريسها في حضرموت لعقود.


ثقافة تقول للحضرمي بطريقة أو بأخرى:


أرضك ليست لك بالكامل.


نفطك ليس لك بالكامل.


قرارك ليس لك بالكامل.


وحتى عندما يُعاد إليك جزء من مالك، عليك أن تشكر من أعاده!


وهنا نسأل سؤالًا بسيطًا:


لماذا ينبغي أصلًا أن تنتظر حضرموت نسبة من ثروتها؟


لماذا لا تكون موارد حضرموت هي الأصل في تمويل احتياجات حضرموت، ثم تكون العلاقة مع المركز واضحة ومعلنة وخاضعة للمحاسبة؟


أين تذهب الإيرادات؟


كم تنتج المحافظة؟


كم يدخل إلى الخزينة؟


كم يعود منها؟


وأين يُصرف؟


هذه ليست أسئلة انفصالية ولا مناطقية ولا تحريضية.


هذه أبسط أسئلة الإدارة والحوكمة.


لكن المشكلة أن المنظومة التي أدارت حضرموت طويلًا لا تحب السؤال عن الأرقام؛ لأنها بنت علاقتها مع حضرموت على قاعدة غريبة:


أنت تنتج.. ونحن نقرر كم نعيد إليك.


ثم ظهر جيل جديد من المسؤولين المحليين أصبحت مهمته، بدلًا من إدارة ثروة حضرموت، المطالبة بـ«حصة» منها!


وهنا تصبح المسألة أكثر سخرية.


فالمحافظ الذي يفترض أن يكون المسؤول التنفيذي الأول عن مصالح المحافظة، يتحول إلى مطالب بنسبة من أموال محافظته.


ثم إذا حصل عليها، يبشر الناس بأنه سيدفع منها رواتبهم!


طيب، وماذا عن بقية الأموال؟


وماذا عن الإيرادات الأخرى؟


وماذا عن الكهرباء؟


والمياه؟


والطرق؟


والمستشفيات؟


والمدارس؟


والمشاريع المتوقفة؟


وهل سنربط كل خدمة بنسبة جديدة؟


الكهرباء تحتاج 30%؟


المستشفيات 15%؟


المياه 10%؟


وإذا أردنا إصلاح شارع، ننتظر دفعة استثنائية؟!


إنها ليست مشكلة سالم الخنبشي كشخص، ولا ينبغي اختزال القضية في فرد واحد.


المشكلة أكبر من الخنبشي.


المشكلة في منظومة سياسية وإدارية كاملة تعاقبت على حضرموت، حتى أصبح المسؤول المحلي في أحيان كثيرة مجرد حلقة بين مركز يستحوذ على القرار، ومواطن ينتظر حقوقه.


وهذا هو جوهر الأزمة.


حضرموت لا تحتاج إلى محافظ يأتيها كل بضعة أعوام ليخبر أبناءها ماذا استطاع أن «يتحصل» لهم.


حضرموت تحتاج إلى نظام إدارة يجعل مواردها واضحة، وميزانيتها واضحة، وإيراداتها واضحة، ومصروفاتها واضحة، وحقوق أبنائها غير قابلة للمساومة.


نريد أن نعرف الرقم الحقيقي.


كم تنتج حضرموت؟


كم تورد؟


كم يعود إليها؟


ومن يقرر؟


وبأي سند؟


ولماذا؟


لأن المال العام ليس سرًا عسكريًا.


وحين تبدأ الإجابة عن هذه الأسئلة، سنكتشف أن أزمة حضرموت ليست أزمة موارد بقدر ما هي أزمة سيادة على الموارد، وإدارة، وقرار، ومحاسبة.


وهنا ينبغي للحضارم أن يتوقفوا عن الانشغال بالأسماء وحدها.


ذهب محافظ وجاء محافظ.


ذهب مسؤول وجاء مسؤول.


تغيرت الحكومات والوجوه والشعارات، لكن بقي السؤال نفسه:


أين حق حضرموت؟


إذا لم تتغير المعادلة نفسها، فلن يتغير شيء.


وقد يأتي بعد الخنبشي محافظ آخر، ثم ثالث ورابع، وكل واحد منهم سيقول لنا بصيغة مختلفة:


انتظروا.


نطالب.


نتابع.


رفعنا مذكرة.


وُعدنا خيرًا.


وقريبًا تصل الدفعة!


ثم تمر السنوات.


بينما النفط خرج.


والإيرادات خرجت.


والأجيال كبرت.


والمدارس تهالكت.


والمعلم ما زال ينتظر راتبه.


لهذا فإن قضية حضرموت اليوم لم تعد قضية تحسين خدمات فقط.


إنها قضية إعادة تعريف العلاقة بين حضرموت وثروتها وقرارها السياسي والإداري.


من يملك القرار في حضرموت؟


ومن يدير ثروتها؟


ومن يحدد نصيبها؟


ومن يحاسب من؟


هذه هي الأسئلة الحقيقية.


أما قصة الـ20%، فهي ليست إلا لقطة صغيرة تكشف فيلمًا طويلًا من العبث.


ولذلك، في اللقاء القادم، ربما لا داعي لأن يسأل أحد العم سالم:


متى ستصرفون رواتب المعلمين؟


السؤال أصبح أبسط:


يا عم سالم… طمّنا بس: وصلت الجمعية ولا باقي؟!


لكن خلف هذه الضحكة مرارة حقيقية.


لأن الشعوب تستطيع أن تصبر على الفقر، لكنها لا ينبغي أن تقبل أن تصبح غنية في أرضها، فقيرة في حقوقها، ومتسولة لنسبة من مالها.


وحضرموت أغنى وأكبر من أن تبقى تنتظر الـ20%.


حضرموت يجب أن تعرف أين تذهب الـ100%.