عندما تختلط المبادئ السياسية بمصالحها غالبا ما تختل المنظومة العسكرية وتتداخل معها حروب العقيدة والمصالح والمفاهيم الإنسانية بينما تدفع الشعوب ثمن ذلك سواء كان ذلك بعسكرتها عقائديا وحزبيا وقبليا.
هـذه المصالح المتداخلة في فلسفة النفوذ والسلطة لا تدفع ثمنها القيادات إلا لماما بينما يدفع المجتمع ثمنها من حاضره ومستقبل ابنائه.
وهو ما يدفعنا لاعادة قراءة مسار التصعيد في اليمن من خلال تغير المسارات وتحولها، ففي المراحل السابقة كانت توجهات الحرب نحو السيطرة على المدن والطرق والموارد وجغرافية الحكم والنفوذ وهو ما أدى الى تعدد مراكزها. أما اليوم فإن الموقع الجغرافي الجيواقتصادي يتجاوز قيمة نفوذ المكونات في الداخل، وهذا يرجع إلى تقاطع الجغرافية اليمنية في ثلاث مسارات استراتيجية:
أمن الخليج وحركة التجارة والطاقة عبر البحر الأحمر والامتداد البحري الذي يربط المحيط الهندي بالمتوسط.
وهو ما يفسر احد جوانب التصعيد الحالي بهدف إعادة الترتيب لمعادلة القوة في المنطقة وتقاس أهمية القوى الداخلية بمدى التأثير في البيئة المحيطة بها.
وهذه النقلة مهمة بالنسبة لأي مواطن يمني تتنامى فيه ثقافة الوعي السياسي لأنها تنقل مركز الثقل من الصراع على الدولة اليمنية كهدف شعبي إلى الصراع على الوظيفة الاستراتيجية لليمن من قبل مراكز النفوذ الدولي والاقليمي.
ولقد أثبتت السنوات الماضية أن السيطرة الكاملة على اليمن ليست مهمة سهلة لأي طرف من اطراف الصراع؛ فالتركيبة الاجتماعية والجغرافية، وتعدد القوى المحلية، والتدخلات الخارجية، وطول خطوط الإمداد كلها جعل من الانتصار العسكري الكامل بعيدا عن حسابات المكونات والدول الاقليمية باستثناء طموحات الميليشيات العقائدية.
ولذلك فإن القيمة الحقيقية للقوة اليمنية لم تعد مرتبطة بالقدرة على احتلال مساحة واسعة من البلاد، وإنما بالقدرة على جعل الموقع اليمني مؤثرا في حسابات القوى التي تتحرك حوله لضمان استمرار الدعم الخارجي وعسكرة قوى النفوذ المحلي على حساب استعادة الدولة المدنية وتحقيق التنمية.
وهنا تبرز أهمية الساحل الغربي وباب المندب؛ فالموقع البحري يمنح القوة المسيطرة عليه قدرة جيوسياسية تتفوق اهميتها على الجغرافيا الداخلية البعيدة عن طرق التجارة ومن ثم فإ امتلاك القدرة على تهديد الملاحة يرفع من الكلفة السياسية والاقتصادية على الدول حتى من دون الوصول إلى إغلاق الممر البحري بصورة كاملة، وبذلك تتحول الجغرافيا إلى وسيلة لإنتاج النفوذ وتتعدد المصالح العابرة للحدود اليمنية وحتي حدود الأمنيات الشعبية.
هذه النقطة تفسر جانبا من التحول في طبيعة المواجهة لأن القوة التي لا تستطيع فرض سيطرتها على اليمن كله تستطيع في المقابل أن تجعل موقعا واحدا من مواقع اليمن حاضرا في الحسابات العسكرية والاقتصادية للدول الكبرى ، وبذلك تصبح المساحة الصغيرة ذات القيمة الاستراتيجية العالية أكثر أهمية من المساحة الكبيرة ذات القيمة السياسية المحدودة.
وهذا هو السبب الذي يجعل التصعيد اليمني يتجاوز الحدود اليمنية بسرعة وهذا فقط عندما تصبح الملاحة في البحر الأحمر جزءا من المعادلة العسكرية وعسكرة النفوذ المحلي دون هوية وطنية، ويدخل ضمنها حسابات التجارة العالمية والدول التي تعتمد على هذا الطريق كما تصبح الولايات المتحدة والدول الأوروبية والقوى الإقليمية معنية مباشرة بمآلات الصراع.
وعندما يمتد التهديد إلى الأراضي السعودية تتداخل المعادلة البحرية مع أمن الخليج فتتحول الجبهة اليمنية إلى بؤرة الأزمة الاقليمية في تطور حتمي لامتداد غياب الدولة وتعدد النفوذ وعسكرة القوى المحلية.
وهنا تجد السعودية نفسها في هذه المعادلة أمام مشكلة مختلفة عن تلك التي واجهتها في السنوات الأولى للحرب؛ فقد غدا لديها مصلحة استراتيجية في تقليل الانخراط العسكري المباشر، والتركيز على الاستقرار والتنمية وحماية البيئة الاقتصادية المحيطة بمشاريعها الكبرى و لكن هذه الرغبة في الخروج من الحرب لا يعني استقرار الأمن الاقليمي، فمن الصعب احتواء اليمن وتقييده بصراعات محلية تستنزف بعضها أو تقييد اليمن بحدوده أو تحويله إلى ملف انساني، فالتجربة الصومالية المنسية خلال عقودها السابقة جعلها اليوم مرتعا لنفوذ القوى الدولية وأحد أهم معادلات الأمن القومي ليس لمنطقة الخليج فحسب وإنما أيضا للأمن القومي المصري والعربي عموما.
ومن ثم فإن استمرار غياب الدولة في اليمن أخطر بمقاييس الثقافة والجغرافيا على منطقة الخليج والأمن العربي من الصومال.
ومن هنا نؤكد إن الخروج من الحرب دون صياغة توازن أمني جديد سيجعل من اليمن مصدرا دائم للتهديد على حدودها وممراتها البحرية ومصالحها الاقتصادية.
ولهذا فإن الضغط على السعودية لا يحتاج إلى حرب شاملة كي يكون فعالا وانما يكفي أن يبقى اليمن قادرا على رفع مستوى المخاطر المحيطة بها لأن الأمن في هذه الحالة يصبح جزءا من الكلفة الاقتصادية والسياسية.
وكلما ارتفعت قيمة الاستقرار بالنسبة إلى السعودية ارتفعت قيمة القدرة على تهديده وهذه معادلة تمنح الطرف الأضعف عسكريا وسيلة لتعويض جزء من الفارق في القوة العسكرية مما يهدد النسيج الوطني مستقبلا.
وتكمن خطورة اليمن من يتحول إلى حلقة وصل بين مسارين استراتيجيين كانا يدرسان بصورة منفصلة؛ الخليج والبحر الأحمر؛ فالتوتر في أحدهما يرفع أهمية الآخر، وأي طرف يستطيع التأثير في المسارين معا يمتلك القدرة على إعادة توزيع المخاطر في المنطقة، ومن هنا تزداد القيمة الجيوسياسية لليمن كلما أصبحت المنطقة أكثر اعتمادا على الممرات البحرية وأشد حساسية تجاه اضطرابات الطاقة والتجارة.
و لا تبدو إسرائيل بعيدة عن المعادلة حتى عندما لا تكون طرفا مباشرا في كل تفاصيل الصراع اليمني؛ فالأمن الإسرائيلي في السنوات الأخيرة أصبح مرتبطا بصورة أكبر علي الامتداد البحري للمنطقة، وبالقدرة على حماية خطوط الملاحة القادمة من آسيا وبمنع تشكل بيئة إقليمية تستطيع فيها القوى المعادية لإسرائيل استخدام البحر كمساحة ضغط استراتيجية، ولذلك فإن أي تغير في موقع اليمن داخل منظومة البحر الأحمر لا يمكن فصله عن الحسابات الإسرائيلية المتعلقة بأمن المنطقة.
أما الولايات المتحدة فمشكلتها مختلفة من جانب اخر حيث يمكنها التعامل مع تهديدات محدودة باستخدام القوة البحرية والجوية ولكنها لا تستطيع تحويل كل تهديد في المنطقة إلى حرب مفتوحة طويلة الأمد.
وهذا يمنح الجغرافيا اليمنية قيمة إضافية لأنها تسمح بخلق تهديدات منخفضة الكلفة نسبيا على الطرف الذي يستخدمها ولكنه مرتفع الكلفة على القوى التي تضطر إلى حمايتها وهو ما يجعل من الشعب اليمني أكثر تضررا في ضل حسابات عقائدية ومصالح نفوذ متعسكرة لأن آخر ما تفكر به قوى المصالح وقوى المعتقدات أمن المجتمع وإيمانه وحرية المواطن وكرامته. ومن هنا تظهر المفارقة الأساسية في الصراع.
ان القوة العسكرية الكبرى تستطيع تدمير أهداف كثيرة ولكنها ليست بالضرورة قادرة على إزالة المشكلة الاستراتيجية التي تولدها الجغرافيا ولكنها مع ذلك تستطيع ضرباتها أن تقلل من قدرات التهديد.
لهذا السبب فإن استمرار التصعيد قد يخلق وضعا اكثر عقدا من انتصار طرف على طرف وهو ما يحصر هدف كل مكون في تقسيم النفوذ ،السيطرة بما يكفي من النفوذ لمنع الآخرين من احتكار القرار في اليمن وليس استعادة الدولة كهدف اسمى وهنا تأتي أهمية القيمة الاستراتيجية والأمنية للرئيس صالح ليس لليمن وحده وانما للخليج برمته.
وفي مثل هذا النموذج ستتحول اليمن إلى مساحة نفوذ متعددة المستويات؛ قوة تملك المدن وأخرى تملك الحدود وثالثة تملك الموانئ ورابعة تملك القدرة على التأثير في الملاحة بينما تحتفظ القوى الخارجية بقدرتها من خلال هذه النفوذ على التدخل عندما تتجاوز أي جهة الخطوط التي وضعتها.
وهذا الن النموذج أخطر من الحرب، لأنه قادر على الاستمرار في الحروب من دون حسم على حساب الدولة الوطنية وسيادتها وامن مجتمعاتها .
فالحروب الصفرية يمكن أن تنتهيبتوافق وطني إذا أصبح ثمن استمرارها أعلى من فائدتها أما الصراع الذي يمنح كل طرف وظيفة استراتيجية لقوى خارجية فقد يتحول إلى نظام دائم لإدارة التوازنات. وعندها لا يمكن التنبؤ بطبيعة النظام الذي سينشأ من استمرارها.
من هنا يمكن فهم التصعيد الحالي باعتباره مرحلة في صراع أوسع على إعادة توزيع الأدوار في المنطقة؛ فالسعودية تريد بيئة مستقرة تسمح لها بإعادة توجيه مواردها نحو الاقتصاد والتنمية، وإسرائيل تريد منظومة أمنية تمنع تحول البحر الأحمر إلى جبهة استراتيجية ضدها والولايات المتحدة تريد حماية الملاحة ومصالحها من دون استنزاف جديد، وإيران تريد الاحتفاظ بنفوذها داخل الدول بما يمنع خصومها من احتكار النظام الأمني في المنطقة، بينما تسعى القوى اليمنية نفسها إلى تحويل موقعها الجغرافي إلى قوة سياسية واقتصاد حربي يتجاوز قدرتها العسكرية المباشرة، وبذلك يصبح اليمن نقطة التقاء مصالح متعارضة.
وكلما فشلت القوى المختلفة في الوصول إلى ترتيب أمني مستقر ازدادت قيمة القدرة على تعطيل هذا الاستقرار وهذه هي العلة التي تجعل التصعيد الحالي مختلفا عن الجولات السابقة وهنا لم تعد أهمية اليمن منصبة على ايجاد حكومة منتصرة وإنما في قدرته على إنتاج مخاطر لا يستطيع الإقليم تجاهلها.
إذا استمرت هذه الديناميكية فإن الأزمة الكبرى لن تكون في عودة الحرب بمعناها القديم وإنما تثبيت اليمن داخل وظيفة استراتيجية جديدة؛ بلد لا يستطيع أي طرف السيطرة عليه بالكامل ولا يستطيع أي طرف تجاهل موقعه ولا تستطيع القوى الإقليمية والدولية أن تترك جغرافيته خارج حساباتها؛ وفي هذه الحالة تصبح الفوضى نفسها قابلة للتحول إلى أداة نفوذ مزمنة وتداخلات خارجية لكنه سيؤثر بالسلب على أمن واستقرار النظم في المنطقة وأمن المجتمعات واستقرارها حيث ستتراكم حسابات العقيدة مع التنمية والامن مع الاقتصاد وكلها ستدفع بالمجتمعات نحو العسكرة حيث تكون الوظائف الأمنية أكثر أهمية من التنمية.