في هذه اللحظات بدأت تشتعل مكامن نيران الحسد في قلب الفلاح ، وسيطر الغباء على عقله وقلبه ، فانطلق يحمل ما بجعبته من أوراق نحو المحافظ ، رحب المحافظ بالفلاح ، وشجعه على فعل المزيد ضد فرج .
في هذه الأثناء ، علم فرج من مصادره الخاصة ، في عاصمة السلطة بأن المحافظ قد رفع ملفات ، تحمل بعض الممارسات غير المقبولة في سلطة البلدة من فرج ، وعندما تأكد فرج أن الذي يطعنه في ظهره هو قريبه الفلاح ، تألم كثيرا ، وقبل أن يتخذ أي قرار ، جلس مع الفلاح ، وأبدى له أنه قد علم بالتقارير الكاذبة التي رُفعت ضده ، وأنه غير مكترث بها ، لكنه متألم جدا أن ينطلق ذلك الخنجر المسموم من عضد قريبه ، الذي ظن ، ذات يوم ، أنه سيضيف إلى قوته قوة ، وإلى مشروعه الكبير ازدهارا وعظمة ، بعد أن قربه منه ، وعده عضده الذي يستمد منه القوة ، صمت الفلاح ، ولم يستطع الرد على أسئلة فرج ، عند ذلك قال الأخير : اسمع أيها الأخ القريب ، والخائن المريب ، أنا لم أعد أرغب في مواصلة العمل في السلطة ، بعد أن وصلت الخيانة إلى عقر الدار ، بل ويسلكها من جاهدت من أجل عزتهم وكرامتهم ، والوصول بهم إلى مصاف الأحرار . وسوف أذهب إلى الجامعة ؛ لتدريس الطلاب ، لعل ذلك يكون مكاني الطبيعي ، الذي يليق بي وبأمثالي ؛ لصناعة الرواد والغيارى والأحرار ، ربما في ذلك المناخ العلمي فقط ، أستطيع وبمساعدة الزملاء ، صناعة جيل أفضل ، ومستقبل أمثل .
أولم يقل الشاعر العربي :
يا نشءُ أنت رجاؤنا ** وبك الصباح قد اقترب
لكنني أثق كل الثقة أنك لن تستطيع الصمود أمام عواصف السلطة الهادرة ، وسيولها الجارفة ، من بعدي ، ولو لبضعة أيام ، أنت ومن دفع بك لهذا الأمر المشين . لأنكم لم تدركوا كيف وصلتُ أنا لما أنتم فيه اليوم ؟ بل لم تعلموا شيئا من معاناتي ، وصراعي ليل نهار في مواجهة أقطاب الفساد في السلطة ؛ لذلك أعلم يقينا أنكم ستعرفون من أنتم ، وما هو حجمكم الحقيقي بعد رحيلي ، وستندمون ندامة الكسعي ، ولكن سيكون ذلك في وقت لم يعد ينفع فيه الندم .
قدم فرج استقالته وانصرف إلى بغيته ، أما الفلاح فتفاجأ في اليوم الثالث من رحيل فرج ، بوصول وفد هزيل من أراذل القوم في المحافظة إلى مكتبه في البلدة ، وطلب ذلك الوفد من الفلاح أن يسلم الوثائق والأختام والمفاتيح ، وأن يعود لممارسة عمله القديم فلاحا في أرض سيده ، وذهب كل ما بناه فرج أدراج الرياح . وهذه هي النتيجة الحتمية لكل من اجتمع فيه الاثنان ؛ الحسد والغباء .