عندما يصبح الإعلام من رسالةٍ لكشف الحقيقة إلى معولٍ لهدمها، وحين يصبح تبدّل المواقف أسرع من تبدّل الأحداث، يصبح من حق الناس أن تسأل أين كانت المبادئ بالأمس وأين أصبحت اليوم؟ لقد رمى عادل الحسني بثقله على الشرعية وأهل الحق، وكأنه ناطق وإن صح الحديث ناهق رسمي باسم الحوثيين،ولم يكتفِ بانتقاد الأخطاء أو كشف مواطن الخلل، فذلك حق مشروع لكل إعلامي، بل اتخذ من التشويه والتسطيح وتصفية الحسابات خطاباً دائماً، وكأن المعركة الحقيقية لم تعد مع الانقلاب الذي صادر الدولة وأشعل الحرب، وإنما مع كل من وقف في وجهه ودافع عن الجمهورية، المشكلة ليست أن يختلف الإنسان مع الشرعية، فالاختلاف السياسي حق، وليست المشكلة أن ينتقد التحالف أو ينتقد أداء المسؤولين، فالنقد ضرورة، وإنما المشكلة حين يصبح الموقف الإعلامي انتقائياً، يرى العيوب في طرف ولا يرى الجرائم في الطرف الآخر، ويغض الطرف عن الانقلاب حين يكون خصمه هو الشرعية، ثم يرفع راية المظلومية حين تتغير موازين المصلحة لقد رأيناه يهاجم التحالف العربي والشرعية اليمنية بعدما كان الخطاب تجاهما مختلفاً، ويصطف اليوم في خندق إعلامي يلتقي مع خطاب الانقلابيين الحوثيين، حتى بات المتابع أمام سؤال لا يمكن تجاهله ،هل تغيّرت القناعات فعلاً أم تغيّر موقع الرجل من المشهد؟ ولماذا كل هذا العهر الإعلامي والحقد الدفين على الشرعية وعلى كل من هو لسان حالها
يحاول اليوم الحسني مقارعة عمالقة الإعلام اليمني والصحفيين المخضرمين لنيل منهم لكنه لم يعرف مكانته أمامهم ولا يعلم إن موقفه المناصر له ضعيف وعلى باطل رغم معرفته بذلك لكنه كما اظن يكابر أو باع نفسه بأبخس الأثمان
إن أخطر ما يمكن أن يفعله الإعلامي ليس أن يخطئ في التحليل، وإنما أن يجعل من قلمه سلاحاً لتزييف الحقيقة الوعي، وأن يحوّل الخصومة السياسية إلى حملة منظمة على كل من يخالفه، وأن يختزل قضية وطن بأكملها في أشخاص وأحزاب ومصالح ومواقف عابرة ،نحن لا ندافع عن الشرعية لأنها معصومة من الخطأ، ولا عن أي مسؤول لأنه فوق النقد، بل ندافع عن فكرة الدولة والجمهورية وحق اليمنيين في استعادة مؤسساتهم من قبضة الانقلاب.
ومن أراد أن يحاسب الشرعية فليحاسبها بميزان واحد، ومن أراد أن ينتقد التحالف فليكن نقده واضحاً وعادلاً، ومن أراد أن يختلف مع الجميع فذلك حقه، لكن أن تتحول المعايير إلى مطرقة تُرفع على أهل الحق وسيفٍ يُغمد أمام الانقلابيين،
وبوق لمليشيات هدمت أحلام اليمنيين ودمرت مستقبل الأجيال،فهذه ليست شجاعة إعلامية ولا استقلالاً في الرأي، وإنما سقوط في مستنقع الانتقائية إن التاريخ لا يحفظ للإعلاميين كثرة الصراخ ولا عدد المنشورات والمقالات، وإنما يحفظ لهم مواقفهم عندما كانت الحقيقة مكلفة، وعندما كان الوقوف مع الدولة والجمهورية ثمنه باهظاً ولذلك فإن المعركة اليوم ليست مع شخص عادل الحسني بقدر ما هي مع نموذج إعلامي يريد أن يقنع الناس بأن الحقيقة تتغير بتغير الخندق، وأن الباطل يصبح مقبولاً إذا كان خصم خصمه، وأن كل من يختلف معه يصبح خائناً أو عميلاً أو تابعاً، وهذا تحديداً ما يجب أن يرفضه اليمنيون فالشرعية يمكن نقدها وإصلاحها، والأخطاء يمكن محاسبة مرتكبيها، لكن إسقاط الدولة في أعين الناس وتمزيق ثقتهم بالجمهورية لن يكون خدمة لليمن، بل خدمة لكل مشروع يريد لهذا الوطن أن يبقى بلا دولة وبلا مستقبل ومن حق الحسني أن يختار موقعه السياسي والإعلامي، لكن من حق الناس أيضاً أن تقرأ مواقفه وتضعها على ميزان التجربة، وأن تسأل عن المسافة بين ما كان يقوله بالأمس وما يقوله اليوم، وأن ترفض أن يكون الإعلام منصة لتبرير الانقلاب أو جلد خصومه فالقلم الذي لا يقف مع الحقيقة عندما تكون الحقيقة ثقيلة، لا يصبح حراً لمجرد أنه يرفع صوته عالياً، وإنما يصبح جزءاً من الضجيج الذي يضلل الناس ويشوّه المشهد.
واليمن اليوم لا يحتاج مزيداً من القبح الإعلامي والعهر ولا مزيداً من حملات التشويه، بل يحتاج إعلاماً يضع الوطن فوق الأشخاص، والجمهورية فوق المصالح، والحقيقة فوق الخصومات، ويحاسب الجميع بالميزان نفسه دون انتقائية أو ازدواجية.