آخر تحديث :الأحد-11 أكتوبر 2026-02:23ص

سياسة التجويع الممنهج: كيف يُستهدف قطاع التعليم والتربية في ميزان التمايز الوظيفي؟

الثلاثاء - 08 سبتمبر 2026 - الساعة 09:47 ص
عدنان زين خواجه


ينبض الشارع اليمني اليوم بأسئلة مشروعة وموجعة، تتصدرها مفارقات صارخة ومقصودة في ملف الرواتب وصرف المستحقات بين مختلف قطاعات الدولة. فعندما يقف المرء متأملاً في هذا التباين البنيوي الحاصل بين المؤسسات العسكرية والأمنية، والسلك القضائي، والقطاع المدني، والمؤسسات المستقلة، يدرك تماماً أن الجميع وإن جمعتهم مظلة ومسمى «موظف دولة»، إلا أنهم يخضعون لمعايير تفريق هندستها أهداف سياسية وعسكرية معلومة للجميع وواعية لدى المواطن البسيط قبل المحلل السياسي.

إن هذا التمايز الفج بين موظفي الدولة الواحدة ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج سياسات مرسومة بعناية. فأصحاب الريال والقرار هم من يُساقون إلى جبهات ومحارق الصراع، وهناك من يتلقون تمويلات ودعماً لأجندات ستكشف الأيام خباياها قريباً أم متأخراً، بينما يبقى السواد الأعظم من أبناء الوطن يتقلبون في جحيم الفقر المدقع.

وفي المقابل، يقف في الطرف الآخر من المعادلة أولئك الذين يديرون المشهد من خارج حدود الوطن، غير آبهين بما يعنيه استقرار المجتمع. غير أن الأكثر إيلاماً والأعمق أثراً في هذه المنظومة هو استهداف الجنود المجهولين؛ صناع العقول وبناة المستقبل: التربويون، والمعلمون، وأساتذة الجامعات. هؤلاء وُضعوا عمداً في مؤخرة قاموس «الشرعية والتحالف»، وحُرِموا أبسط حقوقهم في الانتقال من خط الفقر إلى رواتب تعادل أو تواكب متطلبات العيش الكريم، بل وتمنحهم شيئاً من الاستقرار النفسي والمادي.

هنا يبرز التساؤل الجوهري والأشد خطورة: هل يُعقل أن من يتعمد تهميش المعلم وإفقاره يسعى حقاً لبناء وطن، أو إيجاد جيل متعلم ينهض بالدولة ويقودها نحو الرقي الاقتصادي والسياسي والعلمي؟ أم أن الحقيقة المرة تشير إلى أن هناك مساعٍ حثيثة لوأد مستقبل التعليم والأجيال، ودفع الوطن نحو حافة الارتزاق والتبعية، ليصبح عالة على الدول الأخرى أو لقمة سائغة في مخالب بائعي الأوطان؟

إن تدمير البنية المعيارية للتعليم ومحاربة المعلم في لقمة عيشه لا يقل خطورة عن تدمير البنى التحتية؛ بل هو هدمٌ لمداميك الهوية والوعي الوطني من أساسها. وما لم تكن هناك صحوة ضمير، ومراجعة وطنية شاملة تُعيد الاعتبار لرسالة التعليم ومكانة المعلم، فإن رهان بناء الدولة سيظل غاية مستحيلة في مهب الريح.