آخر تحديث :السبت-24 أكتوبر 2026-12:05م

تجار المواقف... أصحاب "القفزة الأخيرة

الثلاثاء - 08 سبتمبر 2026 - الساعة 09:25 ص
عبدالرحيم المحوري


في كل معركة، وفي كل منعطف، يظهر صنف من الناس لا لون له ولا رائحة.

لا تسمع لهم صوتاً طوال سنوات، صامتون بحجة "الحكمة السياسية" و"عدم كشف الأوراق". لا مبدأ يحكمهم، ولا قيمة تُلزمهم بالبقاء في مربع واحد.


ولكن ما إن يروا كفة الميزان تميل، وطرفاً أصبح على مشارف النصر، حتى يقفزون إليه بأقصى سرعة.

وبمنشورات، وصور، وتصريحات، يصبحون فجأة "أبواقاً" أسرع من العربية والجزيرة في لمح البصر.

وإذا سقط ذلك الطرف غداً، كانوا هم أول من يهاجمه ويخونه ويتبرأ منه. وهكذا دواليك.


الكثير من إخوتنا الجنوبيين، الباحثين عن مكانٍ دافئ مع كل تحرك للأطراف المتقاتلة، أصبحوا اليوم موضع تندر وسخرية.

عُرفوا بسرعة تبديل المواقف في لحظات. لا يهم الحق، يهمهم فقط "من المنتصر؟".


لازلت أتذكر كيف هرع كثير من الإخوة إلى مخيمات المجلس الانتقالي في عدن والمحافظات، عندما رأوا أن المجلس سيطر على المشهد وأصبح قاب قوسين من إسقاط حضرموت والمهرة.

تجد صورهم في كل زاوية، وتهليلهم في كل منصة.

ونحن يومها كنا ننتقد تلك المخيمات ونحذر، فهاجمونا واتهمونا بأننا "ضد القضية" و"طابور خامس".


واليوم... هم أنفسهم من يخونوننا لأننا انتقدنا خروج الجنوبيين للقتال خارج حدود الجنوب.

انتقدناهم لأننا نعرف غدر الشماليين بكل مشاربهم وأطيافهم وأحزابهم، الذين غزوا الجنوب بالأمس وسيغزونه غداً.


إخوتنا "المتسابقون" هؤلاء، الذين يجيدون القفز من أي قارب يرونه سيغرق، لم يأتوا من فراغ.

لقد اكتسبوا خبرة عقود من تواجدهم مع النظام السابق. تعلموا فن "التأقلم" و"التلون" و"وضع بيضة في كل سلة".


هم بارعون في اختيار المكان مع كل منتصر. بارعون في ركوب الموجة في آخر ثانية.

أما نحن "المندفعون" بالمبادئ والقيم، فسنظل دائماً بعيدين عن هذا السوق.

مهما قدمنا من تضحيات، ومهما دفعنا من ثمن، سنبقى في نظرهم "سُذج" و"حالِمين".


نعلم أن هذا النوع من البشر هو الذي "يعرف يعيش" في هذا الزمن.

ولكن على الأقل... استحوا قليلاً.


لا تخونوا أهل الثبات. لا تطعنوا في ظهور من وقفوا في الميدان حين كنتم صامتين.

لا تبيعوا المواقف اليوم، ثم تشتروها غداً بثمنٍ بخس.


_فالتاريخ لا يرحم. والتاريخ لا ينسى من كان مع المبدأ، ومن كان مع المنتصر فقط._