آخر تحديث :السبت-05 سبتمبر 2026-01:33م

من ثقافة الشكوى إلى ثقافة المبادرات المجتمعية لأنقاذ التعليم

السبت - 05 سبتمبر 2026 - الساعة 10:46 ص
د. سعيد سالم الحرباجي


ليس أخطر على الأمم من أن تتألم مدارسها في صمت، وأن يمرّ انهيار التعليم أمام أعين الناس وكأنه شأنٌ عابر يمكن تأجيله إلى حين.


فحين تضيق الحياة بالناس، وتثقل الأزمات كاهل الدولة والمجتمع...

فإنٌَ التعليم أول ما يحتاج إلى من يحميه.

ذلك لأنه ليس خدمةً من الخدمات فحسب، بل هو الحبل الذي يصل حاضر الوطن بمستقبله.

فإذا انقطع هذا الحبل، فلن تكون الخسارة في جيلٍ واحد، وإنما في أجيالٍ قد تدفع ثمن العجز طوييييييلًا.


وفي مثل هذه الظروف لا يكفي أن ننتظر ما تستطيع المؤسسات الرسمية أن تقدمه، ولا أن نبقى أسرى الشكوى وتعداد مظاهر القصور....

إننا بحاجة إلى أن نعيد اكتشاف قوة المجتمع، وأن نستنهض روح المبادرة فيه، وأن نؤمن بأن ما يعجز عنه الفرد قد تستطيع الجماعة إنجازه.


ومن هنا تأتي أهمية المبادرات المجتمعية لدعم التعليم.

المبادرة ليست بديلًا عن الدولة، وليست إعفاءً للجهات المسؤولة من واجباتها، وإنما هي موقفٌ نبيل من مجتمعٍ يرفض أن يرى مدرسته تتداعى، ومعلمه يئن، وطفله يذهب إلى المدرسة دون أبسط مقومات التعلم.


قد تبدأ المبادرة من رجل أعمال يتكفل بترميم فصل، أو من مغترب يتولى توفير المقاعد لمدرسة قريته، أو من مجموعة من أبناء المنطقة تتشارك في دعم المعلمين، أو من مؤسسة خيرية تتبنى نشاطًا تعليميًا، أو من أهل حيّ يجمعون ما يستطيعون لتوفير الكتاب والوسيلة التعليمية.


قد يبدو العطاء صغيرًا في عين صاحبه، لكنه في عين طفلٍ يجلس على مقعدٍ صالح، أو معلمٍ وجد من يسانده، أو مدرسةٍ استعادت شيئًا من قدرتها على الحياة، يكون عطاءً عظيمًا.


إن أجمل ما في المبادرات المجتمعية أنها تُعيد للناس شعورهم بأنهم قادرون على صناعة الفرق، وأن مستقبل أبنائهم ليس قضيةً بعيدة عنهم، ولا ملفًا إداريًا محصورًا في المكاتب، بل مسؤوليةٌ أخلاقية يشترك فيها الجميع.


وفي اليمن : لا نحتاج إلى أن نبحث بعيدًا عن روح التكافل؛ فهي متجذرة في وجدان هذا المجتمع.

لكننا بحاجة إلى أن ننظم هذه الروح، وأن نحول العطاء الفردي المتفرق إلى عملٍ مجتمعي مؤسسي، يعرف أين يضع المال، وكيف يصنع الأثر.


فلنبدأ من مدارسنا القريبة منا.

لنسأل: ماذا تحتاج هذه المدرسة؟ ماذا يحتاج معلموها؟ كم فصلًا يحتاج إلى ترميم؟ كم طالبًا يحتاج إلى كتاب؟ وما النشاط الذي يمكن أن يعيد إلى المدرسة شيئًا من الحياة؟

ثم ليتقدم كل واحدٍ بما يستطيع.


فليس المطلوب أن يكون العطاء كبيرًا، وإنما أن يكون صادقًا ومستمرًا وشفافًا.

إنقاذ التعليم لا يبدأ دائمًا من قرارٍ كبير في عاصمةٍ بعيدة؛ قد يبدأ من قريةٍ صغيرة، ومن مدرسةٍ متواضعة، ومن قلب رجلٍ قرر أن يفعل شيئًا بدل أن يكتفي بالحسرة.


ولعل أجمل ما يمكن أن نتركه لأبنائنا في زمن الأزمات ليس المال وحده، ولا المباني وحدها، وإنما مدرسةٌ بقيت واقفة، ومعلمٌ وجد من يسنده، وطفلٌ لم يُحرم من حقه في التعلم.


فلنمدّ أيدينا إلى مدارسنا، لا لأن الدولة غير مسؤولة، وإنما لأن مستقبل أبنائنا مسؤولية الجميع.

فربما كان فصلٌ صغير ننقذه اليوم، هو الذي يخرج غدًا معلمًا، أو طبيبًا، أو مهندسًا، أو قائدًا يعيد لهذا الوطن شيئًا مما فقده.

وهكذا تبدأ المبادرة صغيرة...

لكن أثرها قد يكون بحجم وطن.