آخر تحديث :السبت-05 سبتمبر 2026-08:07ص

كيف يُسرق عمرك وأنت تضحك؟!

الجمعة - 04 سبتمبر 2026 - الساعة 09:37 م
د. سلطان مشعل


في قلب الحياة وليس على هامشها تتزاحم أسئلة كثيرة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تخفي وراءها قضايا أكبر مما نتصور.

ومن بين تلك الأسئلة يبرز سؤال صريح ومقلق:

كيف يُسرق عمرك وأنت تضحك؟!

قد تبدو الإجابة سهلة لدى البعض لكنها في الحقيقة ليست كذلك لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان هو أن يفقد شيئًا ثمينًا دون أن يشعر بأنه يفقده، وأن يشارك بنفسه في عملية الاستنزاف وهو يظن أنه يمارس الترفيه.

ولعل البداية الأكثر وضوحًا لفهم هذه الظاهرة تأتي من العالم الافتراضي حيث لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسائل للاتصال أو الترفيه أو قتل الفراغ بل تحولت تدريجيًا إلى بيئة مصممة لجذب الانتباه وإبقائه أطول وقت ممكن.

فالفيديوهات القصيرة مثل تلك التي تقدمها TikTok وReels وغيرها تقوم على الإيقاع السريع والتجدد المستمر للمحتوى بحيث لا يكاد الإنسان ينتهي من مقطع حتى يجد نفسه أمام آخر ثم آخر ثم آخر.


وهنا تبدأ الحكاية.

دقيقة للترفيه تتحول إلى عشر دقائق والعشر إلى ساعة والساعة إلى عادة والعادة إلى نمط حياة.

والأخطر أن الإنسان لا يشعر غالبًا بأن شيئًا يُنتزع منه لأنه لا يُجبر على البقاء أمام الشاشة بل يبقى بمحض إرادته مستمتعًا ومبتسمًا بينما يتناقص رصيده من الوقت والانتباه والتركيز.

المشكلة ليست في التكنولوجيا... بل في فقدان السيطرة عليها

ليس المقصود هنا إعلان الحرب على التكنولوجيا أو الدعوة إلى العودة إلى زمن ما قبل الهاتف الذكي.

فالتكنولوجيا أداة عظيمة، ويمكن أن تكون وسيلة للتعلم والمعرفة والعمل والتواصل والإبداع.

لكن المشكلة تبدأ عندما تنتقل العلاقة من استخدام الإنسان للتكنولوجيا إلى استخدام التكنولوجيا للإنسان.

فبعض المنصات تعتمد على خوارزميات تتعلم من سلوك المستخدم واهتماماته ثم تواصل تقديم محتوى قادر على إبقائه متصلًا أطول فترة ممكنة.

ومع تكرار الانتقال من محتوى إلى آخر يتولد نمط من المكافأة السريعة المرتبطة بالإثارة والتجدد، فيعتاد العقل على الحصول على جرعات متلاحقة من المتعة والانتباه دون الحاجة إلى جهد كبير.

وهنا تكمن المفارقة:

العقل الذي يعتاد السرعة قد يبدأ تدريجيًا في فقدان صبره على الأشياء التي تحتاج إلى وقت.


الكتاب يحتاج إلى صفحات والتعلم يحتاج إلى ساعات والبحث يحتاج إلى تركيز والإبداع يحتاج إلى عزلة وتأمل، وبناء المستقبل يحتاج إلى صبر.

أما الشاشة فتمنحك شيئًا جديدًا كل بضع ثوانٍ.

ولهذا يصبح المحتوى السريع منافسًا شرسًا للعمل العميق، لا لأنه أكثر قيمة، وإنما لأنه أكثر سهولة في منح المكافأة الفورية.

ماذا نخسر ونحن نضحك؟

مع الوقت قد تظهر مجموعة من الآثار التي لا تأتي دفعة واحدة، وإنما تتسلل تدريجيًا إلى الحياة اليومية.

قد يتراجع التركيز ويصبح التفكير الطويل أكثر صعوبة ويقل الصبر على القراءة والدراسة والعمل الذي يحتاج إلى إنجاز متدرج.

وقد يظهر إنهاك ذهني رغم عدم بذل جهد جسدي أو فكري حقيقي لأن العقل ظل يتلقى محفزات متتابعة دون مساحة كافية للهدوء.

وقد تتحول المقارنات المستمرة مع الصور المنتقاة من حياة الآخرين إلى مصدر للقلق وعدم الرضا خصوصًا لدى الشباب الذين يرون أمامهم نجاحات ومظاهر حياة مثالية لا تعكس بالضرورة الواقع الكامل لأصحابها.

وقد يتأثر النوم عندما يتحول الهاتف إلى رفيق دائم حتى اللحظات الأخيرة قبل إغلاق العينين.

ثم تبدأ الخسائر في الانتقال من الشاشة إلى الحياة نفسها:

ضياع الوقت والتقصير في الواجبات وضعف التحصيل العلمي واضطراب المزاج والعصبية والخمول والانعزال وضعف التواصل الإنساني الحقيقي وتراجع القدرة على التفكير الهادئ وربما الإنفاق المتكرر على الإنترنت والاتصال من أجل الاستمرار في الحلقة ذاتها.

لكن هناك خسارة أخرى أكثر عمقًا من كل ذلك:

خسارة الفرص.

فكم من ساعة كان يمكن أن تتحول إلى قراءة؟

وكم من وقت كان يمكن أن يتحول إلى مهارة؟

وكم من فكرة كان يمكن أن تصبح مشروعًا؟

وكم من موهبة بقيت نائمة لأن صاحبها استبدل وقت البناء بوقت التمرير؟

السرقة التي لا تشعر بها هي كل سرقة ليست بالضرورة أن تتم بالقوة.

هناك أشياء يمكن أن تُسرق منك بلطف شديد، حتى إنك قد تشكر من سرقها منك!

قد تُسرق منك ساعات وأنت تضحك.

وقد يُسرق تركيزك وأنت مستمتع.

وقد تُسرق راحتك وأنت تبحث عن المزيد.

وقد يُسرق نومك وأنت تقول: مقطع واحد فقط.

ثم تكتشف بعد وقت طويل أن الذي كان مقطعًا واحدًا أصبح مئات المقاطع وأن الدقائق التي لم تكن تعني شيئًا منفردة قد صنعت في مجموعها ساعات وأيامًا وأجزاء حقيقية من عمرك.


وهنا يصبح السؤال:

كم فيديو شاهدت اليوم؟

أقل أهمية من أسئلة أخرى أكثر إيلامًا:

كم فكرة أضعت؟

كم ساعة تبخرت؟

كم موهبة أجلت؟

كم فرصة مرت دون أن تراها؟

وكم جزءًا من حياتك سُرق منك وأنت تبتسم للشاشة؟!

الحل ليس إلغاء التكنولوجيا... بل استعادة القيادة

الحماية لا تبدأ بإلغاء الهاتف، ولا بمقاطعة التكنولوجيا وإنما باستعادة الإنسان لحقه في إدارة انتباهه ووقته.

أن تعرف متى تستخدم الشاشة ولماذا تستخدمها ومتى تتوقف.

أن تضع وقتًا واضحًا للاستخدام وتلتزم به.

أن تتوقف عن التمرير العشوائي الذي لا هدف له.

أن تمنح نفسك فواصل حقيقية تعود فيها إلى العالم خارج الشاشة.

أن تختار المحتوى الذي يضيف إلى عقلك وحياتك، لا المحتوى الذي يمنحك إثارة مؤقتة ثم يترك وراءه فراغًا أكبر.

وأن تمنح نفسك خلال اليوم والليل فترات خالية تمامًا من الهاتف خصوصًا قبل النوم، حتى يستعيد العقل قدرته على الهدوء والاسترخاء.

والأهم من ذلك كله أن تعيد تدريب نفسك على أشياء تبدو اليوم بسيطة لكنها تصنع الإنسان العميق:

القراءة... التفكير الطويل... الحوار الحقيقي... التأمل... الجلوس مع الذات دون الحاجة إلى شاشة تملأ كل لحظة صمت.

فالصمت ليس فراغًا والملل ليس عدوًا والابتعاد عن الهاتف ليس خسارة.

أحيانا يكون الفراغ الذي نهرب منه هو المساحة التي تولد فيها أفضل أفكارنا.


أيها الشاب... أيتها الشابة...


لا تجعلوا القضية مجرد عدد الساعات التي تقضونها أمام الشاشة، بل اسألوا أنفسكم عن ما الذي كان يمكن أن تفعلوه بتلك الساعات لو لم تذهب إلى الشاشة؟

فالعمر لا يُسرق دائمًا في لحظة واحدة وإنما قد يتسرب قطرة قطرة ومقطعًا بعد مقطع وضحكة بعد ضحكة.

إن السؤال الأكثر إيلامًا:

هل ما زلتم تستخدمون هذه المنصات؟

أم أنها هي التي أصبحت تستخدمكم؟