آخر تحديث :الأحد-11 أكتوبر 2026-02:23ص

اقتصاد الحرب وثنائية النفوذ: لماذا تركت المليارات والسيادة في قبضة صنعاء؟

الجمعة - 04 سبتمبر 2026 - الساعة 01:00 م
عدنان زين خواجه


على مدى عقد كامل من الصراع الدامي في اليمن، ظل الخطاب المعلن للحكومة المعترف بها دولياً يتمحور حول "استعادة الدولة وتجفيف منابع الانقلاب". غير أن الواقع على الأرض يرسم مشهداً مغايراً تماماً، تتصادم فيه الشعارات العسكرية والسياسية مع واقع التدفقات المالية وعمليات إدارة الموارد الحيوية، وفي مقدمتها قطاعا الاتصالات والنفط. هذا التناقض الصارخ يطرح تساؤلات ملحة حول الدوافع الحقيقية وراء ترك مفاصل الاقتصاد الإيرادي والأمني تحت سيطرة جماعة الحوثي، وعما إذا كان الصراع يدور وفق قواعد "تخادم مصالح" تتجاوز خطوط التماس المعلنة.

شريان الاتصالات: مليارات التمويل واختراق الأمن القومي

يُعد ملف الاتصالات أحد أكثر الألغاز إثارة للجدل في المشهد اليمني. فمنذ العام 2014، ظلت صنعاء المركز الحصري للتحكم بالبنية التحتية للاتصالات والإنترنت (اليمن نت، يمن موبايل، والشركات الخاصة)، ما منح سلطة الحوثيين ميزتين استراتيجيتين لا غنى عنهما:

* التمويل المالي المفتوح: مئات المليارات من الريالات وعشرات الملايين من الدولارات تتدفق سنوياً كعوائد ضريبية وجمركية ورسوم خدمات إلى البنك المركزي في صنعاء، لتغذي المجهود الحربي مباشرة من جيوب المواطنين في كافة المحافظات، بما فيها تلك المصنفة كمحررة.

* السلاح الاستخباري والميداني: لم تكن الاتصالات مجرد عوائد مالية، بل شكلت أداة تجسس واختراق مكنت الحوثيين من تحديد مواقع وتحركات القيادات العسكرية والسياسية المناهضة لهم واستهدافها بالصواريخ والطيران المسير بدقة متناهية.

ورغم مرور سنوات طويلة وإعلان مشاريع بديلة، ظل الانتقال الكامل للبنية التحتية إلى العاصمة المؤقتة عدن يواجه عراقيل مستمرة، لا تبدو تقنية فحسب بل نتاج ضغوط وتعطيل من أطراف داخل منظومة "الشرعية" نفسها، خشية فقدان شبكات مصالح مالية وتجارية مشتركة عابرة لجبهات القتال.

ملف النفط وإدارة الحقول: عجز الإدارة أم تقاسم الغنائم؟

لا يختلف مشهد الموارد النفطية عن قطاع الاتصالات، إذ تُظهر مسارات إدارة القطاعات النفطية في شبوة وحضرموت ومأرب تخبطاً واضحاً في حماية هذه المنشآت وفرض السيادة الكاملة على إيراداتها.

عندما هددت الهجمات الحوثية موانئ تصدير النفط، تجمد شريان التصدير الأساسي الذي يغذي خزينة الحكومة المعترف بها دولياً، في وقت استمرت فيه قنوات التهريب وتدفق الوقود والمشتقات عبر مسارات برية وبحرية معقدة. هذه العمليات لا يمكن أن تتم عبر مناطق شاسعة دون تسهيلات وتنسيق تشترك فيه شبكات نفوذ وقيادات نافذة مستفيدة من اقتصاد الظل وتجارة السوق السوداء، مما حول الملف الاقتصادي من أداة ضغط ضد الانقلاب إلى ساحة استنزاف للمحافظات الجنوبية والشرقية.

علامات الاستفهام الكبرى: السلاح والموازنات الوهمية

تتضاعف الشكوك الشعبية والسياسية حول صدق المعركة ضد الانقلاب عند النظر إلى تفاصيل ميدانية وإدارية موثقة:

* شبكات التهريب المنظمة: كيف تصل قطع الطائرات المسيرة ومحركات الصواريخ والأسلحة النوعية، بل وشحنات المخدرات، إلى معاقل الحوثيين في أقصى الشمال؟ إن مرور هذه المواد عبر نقاط وموانئ ومنافذ رسمية يؤكد وجود تواطؤ على مستويات قيادية نافذة تتاجر بدماء المقاتلين في الجبهات.

* موازنات لمحافظات خاضعة للحوثيين: لعقد من الزمن، استمر استنزاف الخزينة العامة عبر صرف موازنات تشغيلية ورواتب ومخصصات لكوادر ومحافظين يقيم معظمهم خارج البلاد، لمحافظات تخضع إدارياً وعسكرياً لسلطة صنعاء، دون أي عائد سياسي أو إداري يخدم معركة استعادة الدولة.

* تسليم الجبهات والمعدات: أحداث سقوط مناطق ومعسكرات بكامل عتادها العسكري الثقيل في نهم والجوف والبيضاء دون مقاومة حقيقية عززت فرضية وجود حسابات سياسية مبيتة لا تضع هزيمة الحوثي كأولوية قصوى.

الصراع الحقيقي: صراع الهوية والسيطرة

يقود هذا الواقع العديد من المراقبين والشارع في المحافظات الجنوبية إلى استنتاج مفاده أن النخب السياسية التقليدية التي تصدرت مشهد "الشرعية" قد تشترك مع خصومها في صنعاء في نظرة موحدة تجاه الجنوب وموارده. فبينما تتجمد المعارك العسكرية الهادفة لتحرير صنعاء أو استعادة المؤسسات السيادية، تُوجّه الضغوط الاقتصادية والأمنية والخدمية نحو عدن والمحافظات الجنوبية لإنهاكها وإبقائها تابعة لمركز النفوذ التقليدي.

إن استمرار تدفق أموال الاتصالات، وتسهيل ممرات التهريب، وغياب الرغبة الحقيقية في تحرير الموارد السيادية، لم يعد مجرد "فشل إداري" عابر، بل تحول في نظر الكثيرين إلى نهج ممنهج يعكس تماهياً وتخادماً بين فرقاء المشهد الشمالي على حساب استقرار الجنوب وحق أبنائه في إدارة مواردهم وأمنهم.