قد يكون أغرب ما في اليمن أننا نختلف منذ سنوات على شكل الدولة بينما لم نتفق بعد على كيف نجعل الدولة تعمل.فكل طرف لديه خريطة وكل طرف لديه رواية.وكل طرف يملك تفسيرا لأسباب الفشل.
لكن المواطن لديه سؤال أكثر بساطة: لماذا كلما حاولنا إصلاح الدولة، انتهينا إلى أزمة جديدة
هنا تبدأ المفارقة.
نريد دولة موحدة.لكننا نتنافس على مركزها ونريد توزيعا عادلا للثروة، لكننا لم ننجح في بناء قواعد مستقرة لتوزيعها ونريد إدارة محلية قوية، لكننا نخشى أن يؤدي توزيع السلطة إلى تفكك الدولة ونريد كل شيء في الوقت نفسه مركزا قويا، وأقاليم قوية، وموارد محلية، ودولة واحدة؛ لكننا لم نحدد بوضوح أين تنتهي صلاحية هذا الطرف وتبدأ صلاحية ذاك.
وهكذا بقيت المشكلة معلقة بين المركز والأطراف وبين الوحدة والفدرالية وبين مطلب الدولة ومطلب السلطة.
وحين تُطرح فكرة الأقاليم الستة يبدأ النقاش غالبًا من السؤال الخطأ
هل ستة أقاليم ستكون أفضل أم أقل وكأن الرقم هو الذي سيقرر مستقبل اليمن.
لكن الرقم ليس جوهر القضية فالجوهر هو: كيف نمنع تركيز السلطة والثروة في نقطة واحدة، من دون أن نحول توزيع السلطة إلى تفكيك للدولة..
وهذه هي المعادلة الصعبة لأن الفدرالية لا تعني أن كل إقليم يصبح دولة مستقلة، كما أن المركزية لا تعني بالضرورة أن الدولة ستكون قوية.
الدولة القوية ليست التي يحتكر مركزها كل شيء.
وهنا تحديدا تكمن قيمة النقاش حول الأقاليم ليس باعتبارها وصفة جاهزة، بل باعتبارها محاولة لإعادة توزيع المسؤولية.
والمفارقة الأكبر: الجميع يريد اللامركزية… ولكن بشروطه
و كثيرا من القوى السياسية تتحدث عن ضرورة أن تدير المناطق شؤونها، لكن المشكلة تبدأ عندما نصل إلى الموارد.
الجميع يريد صلاحيات أوسع ..ويريد إدارة محلية أقوى لكن ماذا عن النفط والغاز والموانئ والجمارك والإيرادات..
من يملكها ومن يقرر أين تذهب وما نصيب الإقليم وما نصيب الدولة الاتحادية وما نصيب المناطق الأقل موارد؟!!!
فإذا لم تكن هذه الأسئلة محسومة دستوريا وماليا فإن الأقاليم قد تتحول من حل لمشكلة المركزية إلى نسخة موزعة من المشكلة نفسها.
وبدل مركز واحد تتصارع عليه القوى، قد تصبح لدينا مراكز متعددة تتصارع على الموارد وهذا ليس إصلاحا إنه تغيير عنوان الصراع.
الكهرباء تقدم لنا نموذجا مصغرا
خذ الكهرباء..في كل صيف، نناقش كمية التوليد، الوقود، المحطات، الشبكات، الديون، الفاقد، والصيانة كن خلف كل هذه التفاصيل سؤال إداري بسيط:
من المسؤول؟!!!
فإذا كانت المسؤولية موزعة بين أكثر من جهة، والقرار في جهة، والموارد في جهة أخرى، والمحاسبة في جهة ثالثة، فلا عجب أن تضيع النتيجة بين الجميع.
هنا يمكن أن تقدم الفدرالية نموذجا مختلفا
وليس المطلوب تفكيك الشبكة الحكومية الوطنية بل يمكن أن تكون هناك إدارات كهربائية إقليمية قوية داخل منظومة وطنية مترابطة.
الإقليم يخطط لمحطاته ومشاريعه واحتياجاته.والشبكة الوطنية تضمن الربط وتبادل الطاقة والمعايير الموحدة والدولة الاتحادية تتولى المشاريع الاستراتيجية التي تتجاوز حدود إقليم واحد.
بهذه الطريقة تصبح المسؤولية أقرب إلى المواطن، دون أن تصبح الكهرباء رهينة الحدود السياسية.
لكن حتى هنا يوجد خطر.
فاذا تحولت كل إدارة إقليمية إلى جزيرة مستقلة فقد يصبح فائض الكهرباء أداة ضغط سياسي، والعجز ورقة تفاوض.
وهنا يمكن أن تتحول اللامركزية من حل للمشكلة إلى كهرباء بنظام المناوبة السياسية.
ولا ينبغي بيع الفدرالية لليمنيين كأنها طريق مفروش بالورود.
فهناك خطر التفكك و خطر النزاع على الحدود والموارد وخطر نشوء نخب محلية تستبدل احتكار المركز باحتكارات أصغر و خطر تفاوت كبير بين الأقاليم الغنية والفقيرة وايضا خطر أن تصبح الحكومة الاتحادية ضعيفة إلى درجة تفقد معها الدولة قدرتها على حماية المصالح المشتركة.
لكن وجود هذه المخاطر لا يعني أن الفكرة يجب أن تُدفن.
فالسؤال المنطقي ليس: هل الفدرالية بلا مخاطر؟
بل..!!
هل مخاطر الفدرالية أكبر من مخاطر استمرار النظام الذي لم ينجح في إنهاء الصراع..!!!
وهنا تصبح المقارنة أكثر عدلا
لماذا نستمر في الدوران ..لأن المشكلة ليست سياسية فقط.
هناك مصالح كلما اقترب القرار من المركز، زادت قيمة السيطرة عليه.
وكلما زادت قيمة السيطرة، أصبح التنازل عنها أصعب.
لهذا فإن بعض القوى قد تتحدث عن الإصلاح، لكنها لا تكون مستعدة لإصلاح الشيء الذي يمنحها نفوذها.
وهذه واحدة من أكثر المفارقات قسوة قد يتفق السياسيون على أن النظام يحتاج إلى إصلاح، ثم يختلفون فورًا عندما يصل الإصلاح إلى مصالحهم.
ولهذا لا يكفي إعلان الفدرالية.ولا يكفي رسم الخريطة. ولا يكفي تغيير أسماء المؤسسات.
فالمطلوب قواعد تمنع أي طرف من تحويل موقعه إلى احتكار دائم.
ربما لا نحتاج إلى دولة أصغر… بل إلى سلطة أقل تركيزا
الأقاليم الستة، إذا أُخذت بجدية، يمكن أن تكون محاولة لنقل اليمن من سؤال: «من يسيطر على الدولة؟»
إلى سؤال:
«كيف تعمل الدولة عندما لا يستطيع طرف واحد السيطرة على كل شيء؟»
وهذا فرق كبير.
فإذا توزعت الصلاحيات، وتوزعت الموارد وفق قواعد واضحة، وبقيت السيادة والمؤسسات الكبرى اتحادية، وأصبحت هناك آليات حقيقية للمحاسبة، فقد تتحول الفدرالية من مشروع لتقسيم السلطة إلى مشروع لحماية الدولة من صراع السيطرة عليها.
أما إذا كانت مجرد طريقة لتوزيع المناصب بين النخب، فلن يتغير شيء.
سنغير الخريطة، بينما تبقى العقلية نفسها.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
اليمن لا تحتاج فقط إلى تقسيم السلطة؛ تحتاج إلى قواعد تمنع السلطة من التحول إلى غنيمة.
قد تكون الأقاليم الستة أفضل صيغة.
وقد لا تكون.
وقد تحتاج إلى تعديل كبير.
لكن استمرار الدوران في الدائرة نفسها ليس خطة سياسية.
إنه مجرد تأجيل للسؤال.
وفي النهاية، علينا أن نجيب على هذا السؤال
هل ستنقذنا الأقاليم الستة؟!!
وكم سنة أخرى نحتاج حتى نعترف بأن المشكلة ليست في أننا لم نجد الأشخاص المناسبين لإدارة النظام نفسه، وإنما ربما في أننا لم نعد قادرين على إدارة اليمن بالطريقة نفسها؟
عندها فقط يبدأ النقاش الحقيقي.
ليس حول الخريطة وانما حول الدولة التي نريد أن نعيش داخلها.