آخر تحديث :الأحد-20 سبتمبر 2026-11:23م

من معارضة السلطة إلى معارضة الدولة: أزمة النخب السياسية اليمنية

الأربعاء - 02 سبتمبر 2026 - الساعة 09:49 ص
د. جمال الهاشمي


ان التجربة السياسية اليمنية المعاصرة تثير إشكالية وصول المعارضة إلى السلطة بعقلية المعارضة التي لم تتحول إلى سلطة مسؤولة عن الدولة وبهذه العقلية المعارضة تحولت الى وظيفة ملازمة لها؛ وبدلا من ممارسة السلطة لإصلاح مؤسساتها أخذ بعض من شغلوا مواقعها يمارسون النقد والتنظير والكتابة من داخلها وكأن موقعهم الوظيفي لم ينقل إليهم هذه المسؤولية التي يجب أن تكون في موقع النقد من معارضة تراقب بارادة الشعب اداء المعارضة التي اصبحت في السلطة، وهنا تكمن اشكالية معقدة في فهم النخب السياسية وقدرتها على التمييز بين دورها في السلطة ودورها في المعارضة حيث تعطلت لديها مدركات الفهم الاداري وتحكم فيها داء النقد من أجل النقد تارة بنقد القيادة وتارة في نقد الشريك والبعض ينتقد من هو خارج السلطة بينما استحكم في بعضهم داء النقد للرئيس الصالح لتبرير فشلهم في ادارة السلطة التي صارت اليهم.

وهو ما يجعل من اعادة تأهيلها وظيفيا وحتى فكريا اهدارا للمال العام الى جانب تعطيلها لوظيفتها التي تحوزها تحت داء تقاسم النفوذ، وهذا يكشف الخلل المستعصي في فهم معنى السلطة قبل أن يكون خللا في أداء الأشخاص.

فالوظيفة العامة ليست موقعا للمشاركة في النفوذ وإنما هي موقع للمسؤولية عن الفعل الوظيفي وتجسيدا للارادة العامة للدولة بصفتها الديمقراطية التي تترجم ارادة الشعب ،تنظر في معاناته وليس تعبيرا عن السلطة ودفاعا عنها او دفاعا عن مكون ضد آخر ومن يدخل السلطة يصبح مشاركا في القرارات ونتائجها ويتحمل أمام الشعب هذه المسؤولية ويحاسب عليها ما دام مشاركا في السلطة الجماعية بما في ذلك كافة المكونات السياسية.

هنا تفيد فكرة ماكس فيبر عن السياسة بوصفها مسؤولية عن نتائج الفعل؛ فالسياسي لا يقاس بما يقوله عن القرار وإنما بما يتحمل من تبعاته ووقائع تنفيذه وانعكاساته.

ولذلك فإن المسؤول الذي يشارك في السلطة ثم يستخدم الصحافة لانتقاد سياساتها يعاني من انفصام الوعي وعقلية التمييز بين موقعه ومسؤوليته، وبينما يحتفظ بامتياز الموقع الوظيفي الذي هو اداة للتغيير والاصلاح يمارس النقد من موقعه الوظيفي في نقد وظيفة الآخر الذي يشاركه في تعطيل مؤسسات الدولة ، وهذا انفصام اخلاقي يضاف الى انفصام الوعي السياسي حيث كان عليه أن ينتقل الى المعارضة لاداء وظيفتها التي وسم بها بدلا من المعارضة من داخل السلطة.

ومن ثم فإن فشل السلطة الحوثية في صنعاء رغم ما كان فيه من استقرار نسبي برر هذا الفشل بالعدوان السعودي والامريكي والاسرائيلي وبالمثل تنسب الشرعية فشلها بايران والامارات وسلطة الحوثيين في صنعاء بينما الشعب ينقسم بين هذه التأويلات غير مدرك أن العلة تبدأ من الداخل،

والأسوأ من هذا أن هذا السلوك لم يبق في حدود النقد فقد تحولت الكتابة عند بعض رجال السلطة إلى امتداد للصراع داخلها.

فالوزير أو السفير لا يقدم مشروعا للمؤسسة لمعالجة خلل الاداء والتعطيل والفشل وإنما يواجه شريكه وقيادته في الصحافة كما ان المسؤول لا يحسم خلافه داخل قواعد الدولة وانما يستدعي الرأي العام إلى معركته؛ وكل طرف يسعى إلى إثبات أن اختلال الدولة سببه الطرف الآخر مع أن الطرفين يشغلان مواقع سياسة ووظيفية داخلها وبهذا المعنى تصبح الصحافة أداة في توزيع المسؤولية وليس في مساءلة السلطة واحد ادوات الأناذية التي هيئت موقع الرئاسة للتنافس بين صغار موظفيها ليس من خلال المطالبة بانتخابات ديمقراطية وانما عن طريق التعيين التي تم فيها تعين الرئيس الحالي في السلطة دون أية اجراءات ديمقراطية يمنح بموجبها الشعب اختيار من يمثله.

وهنا تظهر المفارقة واشكالية العي في رجال الدولة وفي تقاسم السلطة الذي هو الموضوع الأساس في اهتمام هذه المكونات ونخبها السياسية والتي تتخذ من موقعها داخل الدولة وسيلة لتوسيع نفوذها وبهذا الداء تتحول الشراكة إلى آلية لتفتيت المسؤولية وهذا هو الفارق بين الدولة ومراكز النفوذ.

فالدولة تقوم على مؤسسات يتحمل شاغلوها نتائج قراراتهم. أما مراكز النفوذ فتقوم على حماية مواقعها داخل السلطة والثروة وتوسيع المجال السياسي مخالفين في ذلك كل العقود والعهود التي ابرموها داخل التشكيل التشاركي للسلطة والتي من اهم مبادئها تجسيد ارادة الشعب وتحقيق سيادته ورفاهيته وأمنه واستقراره.

وبهذا لا يبدو بعض شاغلي الوظيفة العامة رجال دولة بالمعنى السياسي مهما بلغت معرفتهم بشؤون الدولة أو كثرت كتاباتهم عنها ورواية الاخبار تحت عنوان شاهد على السلطة.

وانما رجل الدولة هو الذي يحول موقعه إلى فعل مؤسسي؛ أما من يجعل موقعه منصة للكتابة عن عيوب المؤسسة التي يملك سلطة إصلاحها فهو يمارس دور المراقب وهو في موقع المسؤول.

وهذا يفسر جانبا من أزمة النخبة السياسية اليمنية فلقد امتلكت لديهم تقاليد قوية في المعارضة، لكنها لم تتطور بالقدر نفسه في تقاليد الحكم وبالفعل أتقنت نقد السلطة لكنها لم تثبت دائما قدرتها على تحويل النقد إلى إدارة ومؤسسات وسياسات.

ان المعارضة تستطيع أن تقول إن الدولة فاشلة لأنها لا تملك أدوات إصلاحها. أما المسؤول الذي يقول ذلك وهو يملك جزءا من هذه الأدوات فعليه أن يبرر بقاءه في موقع لا يستطيع فيه أن يفعل ما يؤمن به.

فإما أن يكون داخل السلطة ومسؤولا عنها وإما أن يكون خارجها ومعارضا لها.

أما الجمع بين الموقعين فيولد وضعا سياسياً مختلا بين سلطة عاجزة عن اداء مسؤوليتها، ومعارضة داخل السلطة.

ان الكتابة عن الدولة ليست بناء لها وانتقاد الإدارة ليس إصلاحا لها والتنظير للمؤسسات لا ينشئها .

فإذا كان أقصى ما تستطيع النخبة فعله بعد وصولها إلى السلطة أن تكتب عن عيوبها، فهذه ليست مشكلة في السلطة وحدها وانما هي دليل على أن المعارضة ربما كانت المجال الذي بلغت فيه قدرتها السياسية أقصاها.

وعند هذه العلة يصبح النقد موجها إلى النخبة نفسها ليس لأنها عارضت، وإنما لأنها لم تعرف كيف تتوقف عن المعارضة عندما تحولت الى السلطة ولقد كشفت التجربة اليمنية أن امتلاك القدرة على معارضة الحاكم لا يعني امتلاك القدرة على ممارسة الدولة.

وهذا هو الفرق بين أن تكون معارضاً للسلطة وأن تكون رجلا للدولة.