آخر تحديث :الأربعاء-02 سبتمبر 2026-03:41ص

عالمٌ على حافة المجهول: هل تتجه البشرية نحو حرب كونية؟

الأربعاء - 02 سبتمبر 2026 - الساعة 03:41 ص
عوض عميران


لا يبدو أن مسار الأحداث الدولية يتجه نحو استقرار المواجهات العسكرية والاقتصادية والأمنية في مناطق الصراع المباشرة وغير المباشرة حول العالم، بل إن المؤشرات المتتابعة توحي بأن حالة التوتر الدولي آخذة في الاتساع، فيما تتزايد التقارير الإعلامية التي تتحدث عن مزيد من التصعيد، بالتزامن مع تصاعد تجارة الأسلحة وعمليات شرائها وتسارع برامج تطويرها وتحديثها.

فمن الجبهة الروسية الأوكرانية، إلى صراعات الشرق الأوسط المتعددة، وما يرتبط بها من مواجهات في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان وإيران، والصراع المتصل بأمن الملاحة ومرور السفن في مضيق هرمز، مروراً بالحروب الأهلية والأزمات الممتدة في السودان واليمن وليبيا، يبدو المشهد الدولي وكأنه يعيش حالة من السيولة الجيوسياسية غير المسبوقة.

ويزداد المشهد خطورة مع دخول المملكة المتحدة بصورة تكاد تكون مباشرة على خط الحرب الروسية الأوكرانية، وما يرافق ذلك من مؤشرات على انتقال الصراع تدريجياً من حرب تدور على الأراضي الأوكرانية إلى مواجهة أوسع بين روسيا والقوى الغربية.

وفي السياق ذاته، أثارت الزيارة السرية التي قام بها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) جون راتكليف إلى موسكو في الخامس والعشرين من أغسطس/آب 2026، والتي أكدت موسكو حدوثها دون الكشف عن تفاصيلها، موجة واسعة من التكهنات حول طبيعة الرسائل التي حملتها والملفات التي نوقشت خلالها. وقد ربطت تقارير وتحليلات إعلامية الزيارة بالحرب الروسية الأوكرانية، وبالتطورات المتصلة بإيران ومضيق هرمز، فيما ذهبت بعض القراءات إلى احتمالات أكثر خطورة تتعلق بالتنسيق بين واشنطن وموسكو بشأن الخيارات العسكرية والنووية في الجبهتين الأوكرانية والإيرانية.

وإذا صحت تلك القراءات، فإننا لا نكون أمام مجرد اتصالات استخباراتية بين دولتين متنافستين، وإنما أمام تطور بالغ الخطورة يتمثل في بحث خيارات تتجاوز الأسلحة التقليدية، بما فيها احتمال استخدام الأسلحة النووية التكتيكية ضد أهداف شديدة التحصين، سواء في إيران أو في أوكرانيا، وهو ما من شأنه أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في تاريخ الصراع الدولي، تصبح فيها الحدود بين الحرب التقليدية والحرب النووية أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

ولا تقتصر مظاهر التوتر على الجبهات المشتعلة بالفعل، بل تمتد إلى جبهات أخرى ظلت لفترات طويلة خامدة أو محدودة التوتر. ففي شرق المتوسط تتزايد صفقات التسلح اليونانية، بما فيها صفقات مرتبطة بالكيان الإسرائيلي، وسط حديث متصاعد عن احتمالات مواجهة مستقبلية مع تركيا، في الوقت الذي تلعب فيه الدعاية السياسية والإعلامية دوراً في تأجيج المخاوف المتبادلة.

وفي شمال أفريقيا، تتصاعد حدة التوتر بين المغرب والجزائر، بينما تواجه تونس أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة، تترافق مع احتجاجات شعبية ومشكلات متزايدة في قطاعات حيوية، من بينها المياه.

وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، تتسع مساحة التنافس بين الولايات المتحدة وكندا، كما يتصاعد التنافس الاستراتيجي والاقتصادي بين واشنطن وبكين، في وقت تعيد فيه الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها الدولية، بما يثير أسئلة حول مستقبل التزاماتها الأمنية تجاه بعض حلفائها ومناطق نفوذها التقليدية.

وفي آسيا، بدأت تظهر مجدداً أحاديث عن احتمالات تصعيد روسي ياباني حول النزاع على الجزر المتنازع عليها، بما يضيف بؤرة أخرى إلى خريطة التوتر الدولي المتسعة.

وقد تبدو كل واحدة من هذه القضايا منفردة قابلة للاحتواء، ولا تعني بالضرورة اندلاع حرب شاملة. لكن المشكلة تكمن في اجتماعها وتزامنها داخل نظام دولي تتراجع فيه الثقة، وتتآكل فيه بعض قواعد التفاهم التي حكمت العلاقات الدولية لعقود.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

فالعالم لا يواجه اليوم أزمة سياسية واحدة يمكن حلها عبر اتفاق أو تسوية، وإنما يواجه شبكة معقدة من الصراعات الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية، تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى مع صراعات القوى الإقليمية، وتتقاطع فيها حسابات الطاقة والتجارة والممرات البحرية والأسواق والنفوذ العسكري.

وفي الوقت نفسه، تمر البشرية بأزمات اقتصادية واجتماعية عاصفة. فقد تراكمت ديون الحكومات إلى مستويات هائلة، واتسعت الاختلالات في الميزانيات العامة، وارتفعت تكاليف المعيشة، وأصبح التضخم عبئاً يضغط على قطاعات واسعة من المجتمعات، بينما تتزايد الفجوة بين إمكانات الدول والتزاماتها.

والأخطر أن الاقتصاد العالمي لم يعد منفصلاً عن الصراع الجيوسياسي؛ فالعقوبات الاقتصادية، والحروب التجارية، وسلاسل الإمداد، وأمن الطاقة والغذاء، والعملات، وأسواق المال، كلها تحولت إلى أدوات في الصراع الدولي، بحيث أصبح من الصعب الفصل بين الحرب الاقتصادية والحرب العسكرية.

ثم تأتي الكوارث الطبيعية لتضيف طبقة أخرى من القلق الإنساني. فمناطق مختلفة من العالم تشهد زلازل وفيضانات وحرائق واسعة، إلى جانب موجات حر شديدة وتغيرات مناخية متزايدة التأثير على حياة البشر واقتصادات الدول.

ومع تراكم هذه الأزمات، تبدو البشرية أمام مفارقة مؤلمة: كلما ازداد التقدم العلمي والتكنولوجي، ازدادت قدرتها على إنتاج أدوات الدمار، بينما لم تواكب قدرتها على السيطرة على هذه الأدوات قدرة مماثلة على تحقيق السلام.

لقد أصبحت الدول قادرة على إنتاج أسلحة أكثر دقة وفتكاً، وتطوير تقنيات عسكرية تستطيع تغيير طبيعة الحرب نفسها، في الوقت الذي ما زالت فيه أسباب الصراع القديمة حاضرة: الطمع، والخوف، والصراع على النفوذ، والرغبة في السيطرة، وانعدام الثقة.

لكن هل يعني ذلك أن البشرية مقبلة حتماً على حرب كونية؟

ليس بالضرورة.

فامتلاك العالم لكل هذه البؤر المتوترة لا يعني بالضرورة أنها ستنفجر في لحظة واحدة، كما أن القوى الكبرى، رغم تنافسها، تدرك أن الحرب الشاملة في عصر السلاح النووي والتكنولوجيا العسكرية الحديثة قد لا يكون لها رابح حقيقي.

غير أن الخطر لا يكمن فقط في قرار متعمد بإشعال حرب عالمية، وإنما في احتمال أن تقود سلسلة من الأزمات المتداخلة، وسوء التقدير، والحسابات الخاطئة، والحوادث العسكرية، إلى نتيجة لم يكن أحد يريدها في البداية.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:

هل يستطيع النظام الدولي الحالي احتواء كل هذه التوترات المتراكمة، أم أن العالم يقترب من مرحلة يصبح فيها انفجار أزمة واحدة كفيلاً بإعادة ترتيب المشهد العالمي بأكمله؟

إن ما نشهده اليوم لا يسمح لنا بالجزم بأن حرباً كونية قادمة، لكنه يسمح لنا، على الأقل، بالقول إن البشرية دخلت مرحلة شديدة الخطورة من عدم اليقين.

وفي خضم هذا المشهد، تبدو البشرية، رغم كل ما حققته من تقدم علمي واقتصادي وعسكري، عاجزة أمام كثير من الأزمات التي صنعتها بنفسها، وعاجزة كذلك أمام قوى الطبيعة التي لا تزال تذكرها بحدود قدرتها.

ولعل أخطر ما في هذا المشهد ليس أن العالم يمتلك أسلحة قادرة على تدمير الحضارة، وإنما أن البشرية لم تصل بعد إلى مستوى الحكمة الذي يجعلها جديرة بامتلاك هذه القوة.

ومما يزيد حالة عدم اليقين بشأن إمكانية انزلاق العالم نحو حرب كونية مدمرة، افتقار الساحة الدولية اليوم إلى قيادات سياسية تمتلك من القوة والتأثير والكاريزما والقدرة على اتخاذ القرارات التاريخية ما يمكنها من إدارة الأزمات الكبرى واحتواء تداعياتها قبل خروجها عن السيطرة.

فالتاريخ يبين أن الأزمات الدولية الكبرى لا تُدار بالمؤسسات والقواعد وحدها، وإنما تحتاج في لحظاتها الحرجة إلى قادة يمتلكون رؤية سياسية بعيدة المدى، وقدرة على التواصل مع شعوبهم وحلفائهم وخصومهم، وشجاعة اتخاذ القرارات الصعبة في الوقت المناسب. ولعل نماذج شارل ديغول، ووينستون تشرشل، وفرانكلين روزفلت، وكذلك جوزيف ستالين بوصفه أحد أكثر القادة تأثيراً في إعادة تشكيل النظام الدولي خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها، تؤكد حجم الدور الذي يمكن أن تؤديه شخصية القائد في المنعطفات التاريخية الكبرى، سواء اتفقنا مع سياساتها أو اختلفنا معها.

أما اليوم، فإن العالم يبدو، في نظر كثيرين، أكثر افتقاراً إلى مثل هذه الشخصيات القادرة على فرض رؤية استراتيجية تتجاوز الحسابات الانتخابية والآنية، وتضع أمن البشرية واستقرار النظام الدولي فوق اعتبارات النفوذ والمكاسب قصيرة المدى.

وهنا تكمن مفارقة خطيرة: فبينما أصبحت البشرية تمتلك أسلحة وقدرات تدميرية تفوق كل ما عرفه التاريخ، تبدو قدرتها على إنتاج قيادات سياسية قادرة على إدارة هذه القوة بمسؤولية وحكمة أقل وضوحاً. وربما يكون الخطر الحقيقي ليس في قوة السلاح وحدها، وإنما في اجتماع قوة هائلة مع قيادة سياسية محدودة الرؤية، أو ضعيفة التأثير، أو أسيرة الحسابات الآنية.

وفي النهاية، قد يكون أكثر ما تحتاج إليه البشرية في هذه اللحظة ليس مزيداً من السلاح، ولا مزيداً من الاستعلاء والقوة، وإنما قدر أكبر من الحكمة والرحمة والتواضع، وإدراك أن الإنسان، مهما بلغت قوته، يظل عاجزاً أمام سنن الكون وتقلباته.

ومن هنا يظهر المعنى الأعمق لكل هذه الأزمات: أن البشرية، وهي ترى حدود قوتها وعجزها أمام الحروب والاقتصاد والكوارث والطبيعة، أحوج ما تكون إلى العناية الإلهية، وإلى مراجعة علاقتها بنفسها وبالآخر وبالأرض التي تعيش عليها.

فربما لا تكون الرسالة التي تحملها هذه المرحلة أن الحرب العالمية أصبحت قدراً محتوماً، وإنما أن البشرية وصلت إلى نقطة أصبح فيها استمرارها في إدارة العالم بمنطق القوة والصراع والمصلحة وحدها مخاطرة قد تتجاوز قدرتها على الاحتمال.