في كل مؤسسة، دائرة، أو حتى مجلس صغير، ستجد هذا النموذج يتكرر. هو المسؤول الصغير، الذي لا تكمن قوته في كفاءته، ولا في إنجازه، ولا حتى في منصب له وزن حقيقي. قوته الحقيقية تكمن في شيء واحد فقط، تكمن في صوت الطبلة الذي يقرعه بلا توقف عند رأس الكبير.
والمسؤول الصغير هو ذلك الموظف أو المدير الذي أدرك مبكراً أن طريق الصعود لا يمر عبر العمل الجاد، بل عبر الإرضاء. لا يهمه أن يتقدم المشروع خطوة، بقدر ما يهمه أن يتقدم، رأي الكبير، خطوة.
مهمته الأساسية ليست الإدارة، بل التطبيل. والتطبيل عنده فن. مرة تصفيق، مرة مديح مبالغ فيه، مرة ترديد الكلام كأنه وحي، ومرة صناعة أعداء وهميين للكبير حتى يثبت له ولاءه.
ولأنه يفهم قاعدة بسيطة، وهي أن الكبير يحب أن يسمع نفسه. والمسؤول الصغير يوفر له هذه الخدمة مجاناً. لانه اصبح هو المرآة التي تعكس عظمة الكبير، والمكبر الذي يضخم كل قرار له حتى لو كان خاطئاً. في المقابل، يأخذ الفتات، منصب، ترقية، حماية، أو ببساطة القرب. والقرب عند الكبار سلطة. حيث يصبح ضرره أكبر من نفعه بأضعاف، من خلال انه يهضم الكفاءات لأن المقياس لم يعد، من يعمل، بل من يصفق أكثر. وكذلك يعزل الكبير عن الواقع، و يبني حوله فقاعة من المدح، فيصدق الكبير أنه لا يخطئ أبداً، وأن كل من ينتقده خائن. وينشر ثقافة النفاق، ويرى الصغار هذا النموذج فيتعلمون أن الطريق هو التطبيل لا الإنتاج.
المشكلة أن المسؤول الصغير هش. هو مرتبط بشخص لا بنظام. فإذا سقط الكبير، سقط معه. وإذا جاء كبير جديد، بحث عن مطبل جديد أو يقرع الطبلة على عزف جديد وايقاع جديد. لذلك تجده دائماً قلقاً، خائفاً، يراقب الأبواب أكثر مما يراقب العمل.
والخلاصة، أن المؤسسات لا تبنى بالمطبلين. تبنى بالرجال الذين يقولون 'لا' عند اللزوم، والذين يضعون مصلحة العمل فوق مصلحة الشخص. أما المسؤول الصغير الذي يطبل عند رأس الكبير، فهو مؤشر خطر، ووجوده يعني أن القرار لم يعد يتخذ في غرفة الاجتماعات، بل في غرفة التصفيق. واخيرا، هل الطبلة تصنع قائداً عظيماً، أم تصنع قائداً لا يسمع إلا صدى صوته؟
بقلم/ المستشار الاستاذ ناصر مشقف،،،