هناك مؤسسات حكومية تستطيع أن تقنعك بأنها مشغولة طوال الوقت، من دون أن تستطيع أن تدلك بسهولة على ما أنجزته وهذه واحدة من أكثر مشكلات الإدارة العامة إحراجًا: أن يتحول النشاط إلى بديل عن النتيجة.
الوحدة التنفيذية للدول المانحة خارجيا أُنشئت لغاية واضحة في جوهرها التعامل مع التمويلات الخارجية، والتنسيق مع المانحين والمساعدة في تحويل فرص الدعم إلى مشاريع يستفيد منها البلد.
مرت أربع سنوات..وهنا لا يحتاج الأمر إلى خصومة سياسية ولا إلى حملة إعلامية. يكفي سؤال واحد ماذا راينا من هذه السنوات على الأرض؟!!
لاشئ
رغم أن هذا السؤال ليس اتهاما لكنه أيضا ليس سؤالا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية.
فالبلد الذي يعاني من أزمة كهرباء وخدمات وبنية تحتية لا يستطيع أن يتعامل مع ملف المانحين باعتباره مجرد نشاط دبلوماسي. بالنسبة إليه، فكل منحة مؤجلة مشروع مؤجل، وكل فرصة تمويل لا تتحول إلى نتيجة تعني أن الفجوة بين الحاجة والإدارة ما زالت قائمة.
فإذا كان معيار النجاح هو عدد الاجتماعات، فالنتائج يمكن أن تبدو ممتازة.
وإذا كان المعيار هو عدد الزيارات الخارجية فسيكون هناك دائما ما يمكن تسجيله في دفتر الإنجازات أما إذا كان المعيار هو عدد المشاريع التي تم استقطاب تمويلها وتنفيذها، وقيمة ما تحقق، وأثره على المواطن، فالقصة تصبح مختلفة تماما
وهنا تكمن المفارقة.
المواطن لا يرى محضر الاجتماع، لكنه يرى المشروع ولا يرى المذكرة التي جرى توقيعها، لكنه يرى المحطة إذا بُنيت ولا يعرف كم مرة سافر المسؤول إلى الخارج، لكنه يعرف جيدًا إن كانت الكهرباء وصلت إلى منزله أم لا..وهذا لا يعني أن السفر والاجتماعات غير ضرورية. بالعكس، العمل مع المانحين يحتاج إلى لقاءات وتفاوض وتنسيق، وربما يحتاج أحيانًا إلى سفر متكرر.
لكن الوسيلة لا يمكن أن تصبح هي الإنجاز.
كان يفترض أن تكون السفريات طريقا إلى المشاريع، لا أن تصبح المشاريع نفسها مجرد وعود تنتظر طريقًا آخر.
قد يقول المدافعون عن القيادة السابقة للوحدة إن الظروف التي عاشها اليمن خلال السنوات الماضية ليست ظروفا عادية، وإن عدم الاستقرار السياسي والانقسام المؤسسي وصعوبة التمويل وتعقيدات المانحين كلها عوامل تجعل تنفيذ المشاريع أكثر صعوبة وهذا اعتراض وجيه، ويجب عدم تجاهله لكن الإنصاف يقتضي أن نسأل في المقابل هل تفسر هذه الظروف كل شيء؟!!
فحتى في أكثر البيئات تعقيدا، يمكن قياس الأداء. و معرفة الأموال التي تم استقطابها. المشاريع التي تعثرت. فالمشاريع التي أُنجزت. أسباب التعثر. والفرص التي لم تتحول إلى تمويل.
وهنا تحديدا تظهر أهمية الشفافية.ليس المطلوب أن تقول الوحدة إنها نجحت ولا المطلوب أن يقول خصومها إنها فشلت...!!
المطلوب أن تضع أرقامها على الطاولة كم تمويلا دخل عبرها وكم مشروعا أُقر وكم مشروعا بدأ وكم مشروعا اكتمل وما حجم الإنفاق التشغيلي مقارنة بما تحقق؟
هذه الأسئلة لا تحمل موقفا سياسيا انها ببساطة أسئلة مؤسسة محترمة يفترض أن تكون قادرة على الإجابة عنها.ومن هذه الزاوية يمكن فهم ما يحاول وزير الكهرباء والطاقة المهندس عدنان الكاف القيام به مع الوحدة، عبر الانتقال بها إلى قيادة جديدة تقوم على قدر أكبر من الشفافية وربط العمل بالنتيجة.
قد يختلف الناس حول الوزير، وقد يختلفون حول سياساته، وهذا طبيعي.
لكن هناك فكرة واحدة تستحق الدعم بغض النظر عن صاحبها
أن تصبح المؤسسات مطالبة بإظهار ما أنجزته، لا الاكتفاء بالقول إنها تعمل.
فالمشكلة التي تراكمت خلال السنوات الماضية ليست فقط في نقص المال. فالمشكلة الأعمق هي قدرة مؤسسات الدولة على تحويل هذه الفرص إلى مشاريع قابلة للقياس، ثم حماية هذه المشاريع من التعطيل والفساد وسوء الإدارة.
وهنا يصبح إصلاح الوحدة أكبر من.التغيير في طريقة التفكير نفسها. ومن إدارة ملف المانحين إلى إدارة النتائج. ومن تسجيل النشاط إلى قياس الأثر.
فالبلد لا يحتاج مؤسسة تبدو مشغولة.بل تحتاج مؤسسة تجعل الآخرين يلاحظون أنها أنجزت شيئا.ولذلك فإن المرحلة الجديدة لا ينبغي أن تبدأ بالدفاع عن صمت السنوات الأربع الماضية، ولا بمحاكمة كل من عمل فيها.
والأفضل أن تبدأ بكشف الحساب فإذا كانت هناك مشاريع كثيرة فلتظهروإذا كانت هناك تمويلات كبيرة، فليعرف الناس أين ذهبت.
وبالنهاية يُحسب للوزير المهندس عدنان الكاف أنه اختار الشفافية بدل إبقاء هذا الملف خلف الأبواب المغلقة، وأنه دفع باتجاه قيادة جديدة يُفترض أن تجعل العمل أكثر وضوحا وربطا بالنتائج.
وبعد أربع سنوات من الصمت ظل فيها كثير من العمل بعيدا عن أعين الناس، فإن الأمل اليوم ليس في مزيد من الوعود، ولا في مزيد من الاجتماعات والسفريات، وإنما في أن تخرج المشاريع من المكاتب إلى العلن، ومن الأوراق إلى الأرض.
نتمنى أن تكون القيادة الجديدة بداية مرحلة مختلفة؛ مرحلة لا نسمع فيها فقط عن تمويلات تم الحصول عليها، بل نرى مشاريع تُنجز، ونلمس أثرها في حياة الناس.
بعد أربع سنوات من الصمت، حان وقت أن تتحدث المشاريع.