في زاوية مهجورة من البيت حيث تغفو الذاكرة تحت غبار السنين وقعت يداي امس على كيس قديم يضم حزمة من أشرطة الكاسيت شريط تلو الآخر تُعيدك هذه الاشرطة الساحرة إلى زمن كان فيه الصوت يخرج دافئاً صادقاً يخاطب الوجدان قبل الأذان دفعتني اللحظة واستحضرتُ الجهاز القديم (المسجل) وفي قلبي شغفٌ طفولي لاستكشاف ما تختزنه هذه الاشرطة الصوتية من أسرار وذكريات .
وضعتُ الشريط الأول ودرست بكرة المسجل تدور لينبعث صوت الفنان القدير حسين عبدالناصر السعدي يشدوا بأبيات صاغها قلم الأديب والشاعر الكبير محمد عبدالله بن شيهون (أطال الله في عمره ومتّعه بالصحة والعافية) في قصيدة موجهة إلى قامة الشعر ولسان حال الشعب الشاعر الكبير الراحل شايف محمد الخالدي (رحمه الله) قصيدةٌ كُتبت في أعقاب حرب صيف 1994م محمّلة بزفرات الألم ووجع التحولات ومخاوف الآتي
مرّت أبيات القصيدة كل بيت منها يحمل حسرة ومرارة لكن بيتاً واحداً توقفت عنده الأنفاس وخرّت أمامه الأفكار صامتة بيتٌ لم يكن مجرد سطر شعري ألقاه شاعر في لحظة إنفعال بل كان قراءة استشرافية دقيقة وعابرة للمستقبل اختصرت واقعنا المعاش منذ عام 1994 وحتى يومنا هذا .
مَنْ يِشْتَرِي مِنِّي الأَمَالْ يِلْحَقْنِي
إِلَى سَاحِلْ اليَأْسْ يَآخُذْهُنْ بِدُونْ أَثْمَانْ
يا الله كيف لشاعر أن يلمس جوهر الفاجعة القادمة قبل عقود من وقوعها ؟
منذ ذلك التاريخ الشؤوم واليمن يترنح من أزمة إلى أخرى ومن نفق مظلم إلى آخر أشد ظلمة عقودٌ مرّت ونحن نقتفي أثر السراب نُعلّق قلوبنا وشبابنا وأحلام أبنائنا على سوق الآمال ننتظر الغد الأفضل فنستيقظ على واقع أشد قسوة لقد حوّلت الحروب المتلاحقة والإنكسارات المتتالية تلك الآمال التي حملناها إلى سلع كاسدة لا تجد من يشتريها حتى بات صاحبها مستعداً للتخلي عنها بدون أثمان على سواحل الجفاف واليأس .
البيت لم يصف حال ابن شيهون وحده حينها بل كان بياناً استبق الزمن ليعبّر عن حال شعب بأكمله اليوم شعبٌ تعبت أكتافه من حمل الأمنيات المُجهضة وضاقت به السبل وهو يرى الأحلام تتكسر على صخرة الأزمات المتعاقبة وخيبات الامل حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من شتات وانهيار وضياع .
حين أغلقت المسجل لم يتوقف الصوت في رأسي كان الشريط ينبض بالحقيقة التي حاولنا تناسيها . إن الأدباء والشعراء الحقيقيين ليسوا مجرد صناع كلام بل هم بوصلة الأمة وجسّاسات آلامها لقد رأى بن شيهون بسعة أفق الشاعر وفراسة الأديب ما كنا نرجو ألا نصل إليه لكننا للأسف وصلنا ووقَفنا أجمعين على ذلك الساحل الذي حذرنا منه قبل عقود .