صادفت اليوم صديق دراسة قديم، لي فترة طويلة لم ألتق به ولم أسمع أخباره وجدته في بحبوحة من العيش، يركب سيارة فارهة، وبعد السلام والترحيب واستعادة بعض الذكريات، بادرني بسؤال: «ماذا فعلت بالسنوات؟ كيف تعيش؟ وماذا تشتغل؟» قلت له، وأنا أسرد له بكل فخر واعتزاز: مشيت المشوار الأكاديمي؛ تخرجت من الجامعة بتفوق وكرمت من رئيس الجمهورية، ثم حصلت على الماجستير بتفوق، وسهرت الليالي حتى حصلت على الدكتوراه، وبعدها اعتكفت على الأبحاث والترقيات حتى وصلت إلى درجة الأستاذية في تخصص دقيق وصعب، وساهمت بما أقدر عليه في تخريج دفعات كثيرة من طلاب العلوم والتربية والهندسة والطب، لأن تخصصنا يدخل في كل تلك التخصصات كنت أتحدث عن سنوات طويلة من التعب والسهر، عن عمر مضى وأنا أظن أن ما أفعله يستحق أن يحكى، فإذا به يقطع استرسالي بسؤال مباغت، كضربة من طيران مسير موجهة تماما بأحدث التقنيات: «كم تستلم؟ كم معاشك؟» هنا تلعثمت.. وابتلعت لساني! للحظة شعرت أن كل تلك السنوات التي كنت أسردها بكل فخر قد تبخرت أمام رقم صغير في كشف راتب حاولت أن أستجمع قواي وأحرف الموضوع إلى اتجاه يحفظ لي كرامتي، فقلت: ليس مهما كم أستلم، المهم المبدأ الذي تعبنا من أجله، والرسالة التي نريد إيصالها، والمساهمة في بناء المجتمع ... لكنه باغتني مرة أخرى، وكأنه يعرف تماما أين يوجه رصاصته: (طول عمرك صاحب شعارات.. أنت كنت أذكى طلاب المدرسة، ولكنك لم تكن أذكى طلاب الحياة)
ثم بدأ يحدثني عن نفسه قال: لم أكن أهتم للدراسة، وبعد أن أنهيت معك الإعدادية دخلت معهد مهني المنصورة وتخرجت دبلوم، ثم هاجرت واشتغلت فترة طويلة من عمري، وبالكاد كنت أصرف على أولادي وأهلي وبعد توقف الحرب عدت ولا أملك إلا دبابا صغيرا، اشتغلت عليه فترة، ثم سجلت عسكريا وبدأت أتقرب من القيادات حتى ترقيت وصرت مقدما، والآن أنا عقيد، واسمي مسجل هناك، وحصلت على منصب مدني آخر، والحمد لله معي عمارة وشقة في القاهرة، وتزوجت الثانية، وأولادي في جامعات خاصة ثم قالها وكأنه يضع أمامي شهادة نجاحه: (عملت في سنوات قليلة ما لم أعمله في الغربة لعقدين من الزمان).. وأنت ستظل مثلما أنت، ذلك الشخص الذي لا يعرف كيف تدار الحياة، ولا كيف تستغل الفرص لتحسن وضعك وتنقذ أهلك وأسرتك من الحاجة» ثم كانت الضربة الأخيرة: (يجب أن تتغير.. تتلون.. تبدي عكس ما تخفيه، وإلا ستنقرض مثلما انقرض أمثالك) ...
غادرني، لكنه لم يغادر رأسي بقيت كلماته تدور داخلي كالرصاص الذي خرج من مدفع رشاش وأصاب ما تبقى في القلب صعبت علي نفسي، ليس لأنني لم أمتلك عمارة أو سيارة فارهة، وإنما لأنني لأول مرة وقفت أمام سؤال موجع: هل كنا بالفعل أغبياء الحياة ونحن نظن أن العلم يكفي؟ هل أخطأنا حين صدقنا أن التفوق والبحث وخدمة الطلاب والمجتمع يمكن أن تمنح الإنسان حياة كريمة؟ أم أننا أخطأنا حين لم نتعلم اللعبة التي تعلمها غيرنا، لعبة الاقتراب والتلون واستغلال الفرص؟ ربما هو نجح في شيء عجزنا عنه، وربما نحن نجحنا في شيء لم يعد أحد يقيسه أو يراه أنا لا أريد أن أكذب على نفسي وأقول إن المال والمنصب لا يعنيان شيئا؛ فالحاجة موجعة، ومسؤولية الأسرة أثقل من الشعارات، ومن حق الإنسان أن يبحث عن حياة أفضل ... لكنني في المقابل لا أستطيع أن أقتنع بأن الطريق إلى الحياة الكريمة يمر بالضرورة عبر التلون وبيع المواقف وتبديل الوجوه هناك فرق كبير بين أن تكون مرنا في الحياة، وبين أن تفقد لونك الحقيقي؛ وبين أن تعرف كيف تستغل الفرص، وبين أن تجعل الفرصة تستغل مبادئك ربما لم أكن أذكى طلاب الحياة، كما قال، وربما كنت ساذجا في بعض محطاتها، لكنني لا أريد أن أصل إلى آخر الطريق فأجد أنني ربحت المال وخسرت نفسي ومع ذلك، يبقى كلامه يؤلمني، لأن السؤال ليس سهلا كما كنت أظن: هل نحن الذين تمسكنا بالمبدأ حتى النهاية على خطأ؟ أم أن المشكلة في زمن أصبح فيه التلون ذكاء، والنفاق مهارة، والثبات على المبدأ سذاجة؟ وهل فعلا أصبح شعار الحياة: «تلون تنجُ».. أم أن الإنسان قد ينجو من الحياة متلونا، لكنه لا ينجو من نفسه؟