يهل علينا في الأول من سبتمبر من كل عام يوم الجيش الجنوبي المجيد، وفي هذه المناسبة تحل الذكرى الخامسة والخمسون لتأسيس الجيش الجنوبي، الذي شكّل على مدى عقود جزءاً مهماً من تاريخ الجنوب وذاكرة أبنائه. فقد كان الجيش الجنوبي، بمختلف وحداته وتشكيلاته، مؤسسة عسكرية ارتبطت بمراحل بناء الدولة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، واحتضنت آلاف الضباط والصف والجنود الذين أفنوا سنوات من أعمارهم في ميادين التدريب والخدمة والواجب، وقدموا التضحيات في سبيل وطنهم، ولذلك تظل ذكرى تأسيسه مناسبة يستحضر فيها أبناء الجنوب تاريخ المؤسسة العسكرية ورجالها وما قدموه من جهود وتضحيات.
وتعود بداية تأسيس الجيش الجنوبي بصورته المؤسسية إلى الأول من سبتمبر عام 1971، في مرحلة شهدت فيها جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بناء مؤسسات الدولة وتطوير مؤسساتها العسكرية والأمنية، وخلال سنوات لاحقة، شهد الجيش تطوراً في تشكيلاته ووحداته، وجرى إنشاء الكليات والمعاهد والمدارس العسكرية لتأهيل الضباط والكوادر، كما تطورت القوات البرية والبحرية والجوية، وأصبحت المؤسسة العسكرية تضم كوادر ذات خبرات وتخصصات مختلفة، وكان الانضباط والالتزام والتدريب من أبرز السمات التي عُرفت بها المؤسسة العسكرية، فيما شارك منتسبوها في حماية الحدود والمنشآت والمرافق الحيوية، وخاضوا العديد من المحطات والمعارك التي طبعت تاريخ تلك المرحلة.
غير أن مسيرة الجيش الجنوبي دخلت مرحلة مفصلية عقب الوحدة اليمنية عام 1990، ثم جاءت حرب صيف عام 1994، ومع انتهاء الحرب، تعرضت مؤسسات الجيش الجنوبي للتفكيك والإقصاء، وأحيل أعداد كبيرة من الضباط والصف والجنود إلى التقاعد القسري، فيما جرى إبعاد آخرين عن مواقعهم العسكرية ومؤسساتهم، ووجد كثير من الكوادر أنفسهم خارج الخدمة دون أن يكون لهم دور في تحديد مصير مؤسستهم، وكانت عبارة "خليك في البيت" تختصر بالنسبة لكثير من العسكريين واقعاً جديداً عاشوه بعد الحرب، بعدما وجدوا أنفسهم وقد أبعدوا عن وحداتهم ومواقعهم العسكرية، لتبدأ مرحلة طويلة من المعاناة والإهمال وفقدان المكانة الوظيفية التي قضوا سنوات عمرهم في بنائها.
وقد تركت تلك المرحلة آثاراً عميقة في حياة آلاف العسكريين وأسرهم، إذ وجد كثير من الضباط والجنود أنفسهم أمام واقع جديد بعد سنوات طويلة من الخدمة والتضحيات، ومع مرور السنوات، لم تقتصر القضية على الوظيفة العسكرية فحسب، بل أصبحت قضية حقوق وكرامة وذاكرة، وارتبطت بحراك جنوبي واسع طالب بإنصاف المسرحين والمتقاعدين وإعادة الاعتبار للكوادر العسكرية والأمنية التي تعرضت للإقصاء بعد حرب 1994، وفي هذا السياق، كان للمتقاعدين العسكريين حضور بارز في الحراك السلمي الجنوبي، حيث خرجوا للمطالبة بحقوقهم وحقوق زملائهم، واستعادة ما اعتبروه حقوقاً سُلبت منهم بعد سنوات من الخدمة.
وفي الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي، لا يستحضر أبناء الجنوب صفحات البطولات والتضحيات فقط، بل يستحضرون أيضاً صفحات الألم التي عاشها منتسبو المؤسسة العسكرية بعد حرب صيف 1994، وما رافقها من تسريح وإقصاء وإحالة قسرية إلى التقاعد.
إنها ذكرى تحمل وجهين، وجه المجد الذي صنعه الجنود والضباط في ميادين الخدمة والواجب، ووجه المعاناة التي عاشها من أبعدوا عن مؤسساتهم العسكرية وقيل لهم "خليك في البيت"، ومن هنا تأتي أهمية هذه الذكرى بوصفها مناسبة للوفاء للشهداء والجرحى والمتقاعدين وكل كوادر الجيش الجنوبي، واستحضار تاريخهم وتضحياتهم، والتأكيد على أن ذاكرة الشعوب لا تنسى رجالها الذين أفنوا أعمارهم في خدمة وطنهم.
#كمال_الجعدني
1 سبتمبر 2026م