لا تزال ثقافة التضليل الممنهج تجاه الأجيال الناشئة من أبناء الجنوب مستمرة على مدار الساعة، ومن أخطر صور هذا التضليل تزييف الحقائق، وخلط الوقائع بالأوهام، ودسّ السم في العسل.
ومن أبرز مظاهر هذا التضليل الادعاء المستمر بأن طرفًا بعينه يمتلك الحق الحصري في تمثيل تاريخ ومؤسسات اليمن الديمقراطية، ومن ذلك ما يُسمّى اليوم بـ«الجيش الجنوبي»، وتصويره وكأنه مؤسسة عسكرية ظلت قائمة ومتماسكة حتى يومنا هذا، بينما يتسابق الجميع لادعاء أحقيته بها، وكأن كل طرف يردد: «كلٌّ يدّعي حبَّ ليلى».
لكن عند الوقوف بموضوعية أمام تاريخ هذه المؤسسة العسكرية، سيكتشف المتابع أن ما يُسمّى بالجيش الجنوبي، بوصفه المؤسسة التي عرفها الجنوب في مراحل تاريخية معينة، قد تعرض للانقسامات والتفكيك والتدمير منذ عقود، وأن جانبًا كبيرًا من ذلك التدمير جاء، للأسف، على أيدي القوى والقيادات التي كانت جزءًا من صناعته وإدارته.
ولذلك، ومن باب وضع الأجيال الحالية أمام الحقائق التاريخية، بعيدًا عن المبالغات والشعارات، من المهم التوقف عند محطات التكوين والانقسام والتدمير.
أولًا: كيف تكوّن ما عُرف بجيش الجنوب؟
بعد رحيل الاستعمار البريطاني عام 1967م، جرى تجميع عدد من الوحدات العسكرية القائمة آنذاك، ومنها بعض كتائب الليوي وشبرا، إلى جانب عناصر ووحدات من بقايا قوات سلطنات وإمارات المحميات الشرقية، وذلك في ظل الاتفاقات والترتيبات التي أعقبت انتصار الجبهة القومية وهزيمة جبهة التحرير.
كما أُضيف إلى هذه التشكيلات ما عُرف بـالحرس الشعبي، الذي تكوّن بصورة رئيسية من عناصر وأنصار الجبهة القومية، وتم لاحقًا إسناد عدد من المواقع القيادية العسكرية إلى قيادات خرجت من صفوف ثوار الجبهة القومية.
وهكذا تشكلت المؤسسة العسكرية للدولة الجديدة من خليط من القوات النظامية السابقة، والتشكيلات العسكرية المحلية، والقوى الثورية التي صعدت مع الاستقلال.
ثانيًا: محطات الانقسام والتدمير
المحطة الأولى: أحداث عام 1968م
شهدت المؤسسة العسكرية واحدة من أولى وأخطر محطات الانقسام، عندما جرى الإطاحة بعدد من القيادات العسكرية والسياسية، وفي مقدمتهم القيادات التي ارتبطت بما عُرف لاحقًا بتيار العقدأ، وصولًا إلى شخصيات عسكرية بارزة، ومن بينها العقيد حسين عثمان عشال، إلى جانب قيادات محسوبة على التيار اليميني بقيادة الرئيس قحطان الشعبي.
وكانت تلك المرحلة بداية واضحة لتحويل المؤسسة العسكرية إلى ساحة للصراع السياسي والأيديولوجي.
المحطة الثانية: أحداث عام 1978م
ثم جاءت مرحلة جديدة من الصراع الداخلي، تمثلت في القضاء على الوحدات والقيادات التي صنفها بعض «الرفاق» ضمن ما أطلقوا عليه التيار اليساري الانتهازي، في عهد الرئيس سالم ربيع علي.
وهكذا استمرت المؤسسة العسكرية تدفع ثمن الصراعات السياسية داخل السلطة والحزب، وتتحول من مؤسسة وطنية إلى أحد ميادين تصفية الخلافات الداخلية.
المحطة الثالثة: أحداث يناير 1986م
كانت كارثة يناير 1986م واحدة من أكثر المحطات مأساوية ودموية في تاريخ الجنوب، حيث انتهت بإسقاط الحزب والدولة بقيادة الرئيس علي ناصر محمد، وانقسمت المؤسسة العسكرية نفسها، وانخرطت وحداتها وقواتها في صراع داخلي مدمر أدى إلى خسائر بشرية وعسكرية وسياسية هائلة.
وكانت نتائج ذلك الانقسام عميقة، ولم تقتصر على تلك المرحلة، بل امتدت آثارها إلى السنوات اللاحقة، وأسهمت بصورة مباشرة في إضعاف الدولة ومؤسساتها، وترك جراحًا سياسية واجتماعية لم تندمل آثارها حتى اليوم.
ثم جاءت حرب عام 1994م
لتشكل محطة جديدة من تفكك ما تبقى من المؤسسة العسكرية الجنوبية، حيث انتهت الحرب بهزيمة القوات الجنوبية وتدمير ما تبقى من بنيتها المستقلة، ودمج كثير من وحداتها وأفرادها ضمن مؤسسات عسكرية جديدة، فيما تعرض آخرون للإقصاء والتسريح والتهميش.
أما خاتمة مسلسل الانقسام...
فقد جاءت في أحداث ومعارك عامي 2018م و2019م، وما رافقها من عمليات الغزو والنفير والصراعات المسلحة بين القوى الجنوبية نفسها، وهي أحداث لا تزال آثارها السياسية والاجتماعية والعسكرية قائمة حتى اليوم.
وهنا يبرز السؤال:
ما الحاجة إلى الاحتفاء بتاريخ مؤسسة عسكرية، في الوقت الذي كان مؤسسوها وقياداتها وأنصارها أنفسهم ضحايا للانقسامات والصراعات التي دمرت نصفها الآخر؟
إن استدعاء التاريخ لا يجب أن يكون بهدف صناعة الأوهام أو تضليل الأجيال الناشئة، بل من أجل قراءة التجربة كما حدثت، بكل ما فيها من إنجازات وأخطاء ومآسٍ.
فالأجيال الجديدة بحاجة إلى الحقيقة، لا إلى الأساطير السياسية، ولا إلى إعادة إنتاج الصراعات القديمة تحت عناوين جديدة.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نبيع للأجيال الناشئة أوهامًا عن مؤسسات لم تعد قائمة بصورتها التاريخية، وأن ندفعهم إلى تصديق روايات انتقائية، بينما الحقيقة أن تلك المؤسسة مرت بمراحل متلاحقة من الانقسام والتصفية والتدمير، حتى انتهت إلى ما انتهت إليه.
إنها بالفعل مأساة تاريخية، حين يتحول التاريخ إلى وسيلة للضحك على البسطاء، وتُقدَّم للأجيال الناشئة صورة مزيفة عن واقع لم يعيشوه ولم يعرفوا حجم مآسيه.
فالتاريخ لا يُكتب بالشعارات، ولا يُحتكر بالادعاءات، ولا يصبح ملكًا لطرف واحد لمجرد أنه يرفع رايته اليوم.
الخاتمة: بين هتاف الأمس وحقيقة التاريخ
ربما ما زال البعض يردد بحماس هتافات الماضي:
«يا سلام ثوري ثوري
على جيش شعبي
عندهم للخصم
قطع النفوس»