في المعادلة الوطنية الغائبة، ينصرف الذهن عادةً إلى إلقاء اللوم كاملاً على أصحاب السلطة الذين يستحوذون على مقدرات الدولة، ليتركوا الشارع يعاني الفقر الدائم وغياب الخدمات الأساسية. لكن هناك حقيقة مسكوت عنها، وغالباً ما نتجنب مواجهتها: الصمت ليس حياداً، بل هو قرار بالقبول.
عندما ينعم المسؤولون بثروات البلاد ويتقاضون أجوراً ومكتسبات تضاهي، بل تتجاوز، ما يتقاضاه قادة أعتى الدول اقتصادياً، في مقابل شعب يصارع في قاع الجوع والهوان؛ فإن السؤال الحقيقي لا يتوجه لمن ينهب، بل لمن يكتفي بالمشاهدة:
إلى متى الاستسلام لواقع يفرض عليك العيش على فتات خيرات أرضك؟
اختلال المعادلة: الخنوع كغطاء للفساد
إن القبول بالواقع المتردي هو المحرك الأساسي لاستمراره. الأيدي التي تعبث بالبلاد وتفرط في مقدراتها لا تستمد قوتها فقط من النفوذ أو الكرسي، بل من غياب الصوت الناقد والمطالب بالحقوق.
تنشأ حالة من الفجوة الهيكلية عندما يصبح الهدف الأول للسلطة هو الحفاظ على المكتسبات الخاصة والتسابق على بيع المقدرات العامة، مع غياب شامل للحس بالمسؤولية تجاه آلام المواطن. وفي المقابل، يتحول التطمين الذاتي والصمت إلى بيئة مريحة لتوسيع نطاق الاستحواذ والتفريط.
مظاهر الأزمة وأبعادها
يمكن تلخيص أبعاد هذه الأزمة في نقاط جوهرية تعكس طبيعة الخلل القائم:
الفجوة الاقتصادية المفرطة: تباين صارخ بين دخول الفئات المتنفذة والحد الأدنى لمعيشة المواطن الساحق.
تراجُع الخدمات الأساسية: تحوّل الحقوق البديهية (من صحة وتعليم وخدمات عامة) إلى امتيازات يصعب الحصول عليها.
مقايضة الاستقرار بالهوان: القبول الاجتماعي المتزايد بأقل المقومات تحت ذريعة الأمر الواقع.
غياب المحاسبة والشفافية: غياب الأدوات التشريعية والحقوقية الفعالة التي تخضع التصرف بموارد الدولة للرقابة.
مسئولية التغيير يبدأ رفعها بكسر الصمت
إن الدفاع عن الحقوق والتعبير الحضاري والمشروع عن رفض الفساد سوء الإدارة ليس رفاهية سياسية، بل هو واجب مدني وإنساني لحماية ما تبقى من الوطن.
الاستسلام الدائم ينقل المواطن من موقع "الضحية" إلى موقع "المشارك السلبي" في ترسيخ هذه المعادلة المختلة. فالتاريخ يثبت دائماً أن السلطات لا تتنازل عن امتيازاتها طواعية، وأن الإصلاح وإعادة بناء المفهوم الوطني للعدالة لا يبدأ إلا عندما يدرك المجتمع أن صمته هو الرافعة الأولى لمن يسلبونه حقه.