آخر تحديث :الثلاثاء-01 سبتمبر 2026-07:57ص

الجيش الجنوبي... لا تتاجروا بتاريخ الرجال

الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026 - الساعة 12:37 ص
احمد ناصر حميدان


في الأول من سبتمبر 1971، بدأت صفحة مهمة من تاريخ المؤسسة العسكرية الجنوبية بافتتاح الكلية العسكرية، ومنذ ذلك اليوم تشكلت أجيال من الضباط والجنود الذين أصبحوا جزءاً من تاريخ الجيش في الجنوب.

واليوم، ونحن نحيي الذكرى الخامسة والخمسين، يحق لنا أن نسأل بكل صراحة: أين الجيش الذي تتحدثون باسمه؟ وأين رجاله الذين صنعوا تاريخه؟

فالموضوع ليس صورة في منصة، ولا رتبة على كتف، ولا خطاباً حماسياً يقال في مناسبة.

الجيش الجنوبي مر بمراحل وانكسارات وصراعات سياسية تركت آثارها العميقة عليه. أحداث سياسية متتالية أنهكت المؤسسة العسكرية، ثم جاءت كارثة 1994 لتكمل ما بدأته الصراعات السابقة، فتم تسريح أعداد كبيرة من العسكريين، وتحويل كثير منهم إلى ما سمي بالعمالة الفائضة.

ضباط وطيارون ومهندسون وفنيون وخبراء في البحرية والجوية والدفاع الجوي والرادارات والصواريخ، وخريجو أكاديميات عسكرية، وجدوا أنفسهم فجأة خارج المؤسسة.

وبعد سنوات من التهميش، خرج هؤلاء في حركة احتجاجية عرفت بالحراك العسكري والمدني، ثم تشكلت جمعيات المتقاعدين العسكريين، وكان مطلبهم بسيطاً جداً: أعيدوا لنا حقوقنا.

لا طلبوا قصوراً، ولا أرادوا مناصب، ولا طالبوا بأن يصبح كل واحد منهم قائداً.

كانوا يريدون راتباً منتظماً، وتسوية عادلة، وعلاجاً، واعترافاً بما قدموه.

لكن يبدو أن هذا الطلب كان أصعب من تحرير بيان سياسي!

والمفارقة المؤلمة أن الذين يرفعون اليوم اسم الجيش الجنوبي عالياً، لم يرفعوا بالقدر نفسه قضية أفراده الذين ما زالوا يعانون.

هنا تبدأ الحكاية الغريبة.

فبدلاً من أن نعيد بناء المؤسسة العسكرية على أساس الكفاءة والخبرة والمؤهل، أصبحنا أمام منطق آخر: خذ هذا، وضع ذاك، قرّب فلاناً، أبعد علاناً، ثم أعلن لنا أن هذه هي "القوات الجنوبية".

يا جماعة الخير... الجيش ليس كشّة عرس نختار لها من حضر ومن لم يحضر!

الجيش مؤسسة لها قواعدها.

والرتبة العسكرية ليست مكافأة سياسية، ولا شهادة تقدير تمنحها الصداقة، ولا وساماً على أساس الولاء.

هناك ضابط أفنى عمره في المؤسسة العسكرية، ودرس في كلية عسكرية، وتخصص في الطيران أو البحرية أو الدفاع الجوي، ثم وجد نفسه في البيت سنوات طويلة.

وبالمقابل، يظهر فجأة من لم يعرف المؤسسة العسكرية إلا من خلال السياسة، فيصبح صاحب رتبة وموقع وقرار!

ثم يأتيك من يقول: "نحن نمثل الجيش الجنوبي".

طيب... وأين ذهب الجيش الجنوبي الأصلي؟

أين الطيارون؟

أين ضباط البحرية؟

أين خبراء الدفاع الجوي؟

أين خريجو الأكاديميات العسكرية؟

أين أولئك الذين كانوا يشغلون غرف العمليات والرادارات والمنظومات العسكرية؟

لماذا لا يكون لهم مكان حقيقي في إعادة بناء المؤسسة العسكرية؟

لا أحد يعترض على وجود قوات جديدة، ولا على تطوير القدرات العسكرية، لكن الاعتراض على احتكار اسم الجيش الجنوبي واختزاله في تشكيلات أو أفراد أو مناطق أو ولاءات سياسية محددة.

فالجيش الجنوبي تاريخ أكبر من أي مكون سياسي، وأكبر من أي قائد، وأكبر من أي منطقة.

ومن يريد أن يبني جيشاً جنوبياً حقيقياً، فليبدأ بإعادة الاعتبار إلى كوادره التاريخية، وليضع معيار الكفاءة فوق معيار القرب، والمؤهل فوق الولاء، والمؤسسة فوق الأشخاص.

أما أن نترك العسكري القديم ينتظر راتبه، ثم نخرج في المنصات نحدث الناس عن أمجاد الجيش الجنوبي، فهذه ليست إلا مزايدة على حساب وجع الرجال.

والأغرب من ذلك أن البعض يتحدث عن "استعادة الجيش الجنوبي"، بينما بعض رجاله الذين استُبعدوا منذ 1994 ما زالوا حتى اليوم يبحثون عن استعادة راتبهم!

يا سلام على الاستعادة!

استعادة الدولة تبدأ من استعادة حقوق الإنسان الذي خدم الدولة.

ولا يمكن أن نبني مؤسسة عسكرية محترمة بعقلية المحسوبية والمناطقية والولاء السياسي.

نحن لا نريد جيشاً تابعاً لشخص، ولا جيشاً تابعاً لمنطقة، ولا جيشاً تابعاً لمذهب أو تيار.

نريد مؤسسة عسكرية وطنية، تضم أبناء الجنوب على أساس الكفاءة والانضباط والمؤهل والخبرة.

وفي ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي، أتمنى ألا يتحول الاحتفال إلى موسم جديد للمزايدات.

اتركوا الجيش لأهله.

اتركوا التاريخ لأصحابه.

وإذا كنتم فعلاً تحبون هذا الجيش الذي تتحدثون باسمه، فابحثوا أولاً عن الضابط الذي ينتظر راتبه، وعن الطيار الذي أصبح بلا طائرة، وعن المهندس الذي لم تعد الدولة تسأل عنه، وعن العسكري الذي أمضى عمره في الخدمة ثم وجد نفسه خارج المؤسسة.

هؤلاء هم الجيش الجنوبي.

أما الشعارات والصور والرتب والمهرجانات، فهي تأتي بعد ذلك.

فالجيش ليس ما نراه في المنصة... الجيش هو أولئك الرجال الذين صنعوا المؤسسة ثم وجدوا أنفسهم خارجها.

وفي الذكرى الخامسة والخمسين نقولها دون لف ولا دوران:

لا تتاجروا باسم الجيش الجنوبي، بل أنصفوا رجاله أولاً.