آخر تحديث :الثلاثاء-01 سبتمبر 2026-07:57ص

الردع العسكري.. التراجع اليوم قد يؤخر استعادة الدولة لعقدين او اكثر

الإثنين - 31 أغسطس 2026 - الساعة 11:30 م
د.فائزة عبدالرقيب سلام



خيار الردع العسكري اليوم يبدو فرصة لا ينبغي التفريط بها. فقد عانى اليمنيون الامرين من ضيق الحال وتدهور الخدمات وضعف اداء الحكومة الشرعية طوال سنوات، بينما ظل المواطن ينتظر اجراءات تعيد للدولة حضورها وهيبتها، وتضع حداً للانقلاب وآثاره المأساوية.


لقد دخلت القوات المسلحة اليمنية مرحلة مهمة من الردع العسكري، ولا ينبغي ايقاف هذا المسار تحت اي ظرف او مبرر؛ لأن اي تهاون اليوم او تراجع عنه لن يعني مجرد العودة الى نقطة الصفر، بل قد يؤخر استعادة الدولة لعقدين قادمين او اكثر، وقد يفضي الى تغييرات عميقة في بنية النظام السياسي وموازين القوة، بما يمنح جماعة الحوثي فرصة لترسيخ نفوذها وتحويل الانقلاب من واقع عسكري الى واقع سياسي يصعب تغييره.


وفي الوقت نفسه، تحتاج القوات المسلحة الى تطوير ادواتها وقدراتها واساليبها في المواجهة، مع الاهتمام بالجنود وصف الضباط والضباط المرابطين، وصرف رواتبهم ودعم اسرهم. كما أن رفع كفاءة التنسيق وتطوير القدرات الاستخبارية والدفاعية والهجومية ضرورة لتعزيز الردع ومنع الحوثيين من استثمار اي ثغرات.


كما ان نجاح الردع في الميدان يحتاج الى تحرك سياسي ودبلوماسي واعلامي يوازيه. وعلى الحكومة، وخاصة وزارتي الخارجية والاعلام والمركز الاعلامي الموحد والقنوات الفضائية، الاستفادة من الموقف الاقليمي والدولي الراهن، ووضع المجتمع الدولي امام حقيقة أن مليشيا الحوثي هي جماعة ارهابية مسلحة انقلبت على الدولة، ورفضت فرص السلام، واستمرت في تطوير قدراتها وتوسيع نفوذها، بما جعلها تهديداً يتجاوز الداخل اليمني الى أمن الاقليم والمنطقة وخطوط الملاحة الدولية.


فالمعركة مصيرية، وتحتاج الى تضافر جميع الجهود وتعزيز الوعي المجتمعي الرافض لفكر الجماعة ومشروعها الانقلابي وفي اعادة الحكم الإمامي الكهنوتي، فهي ليست مواجهة عسكرية في الميدان فحسب، وإنما معركة تستهدف وعي المجتمع ومستقبل الجمهورية.


والكارثة الحقيقية في أن تتعرض الحكومة لضغوط خارجية لوقف الردع والعودة الى مفاوضات السلام بالشروط والمعادلات ذاتها التي جربت طوال اكثر من عقد. لقد التزمت الحكومة الشرعية بالسلام وشاركت في مسارات تفاوضية متعددة، لكن السلام الذي يعيد انتاج تجربة ستكهولم لم ينهِ الانقلاب، بل اجل المواجهة وجعل كلفتها اكبر. بل إن تجارب التهدئة منحت الحوثيين وقتاً لقمع المواطنين، وفرض رؤيتهم واعادة تشكيل وعيهم وتطوير قدراتهم وتعزيز نفوذهم، بينما واصل الوضع الداخلي في مناطق سيطرتهم تدهوره.


إن السلام الحقيقي والعادل ما يزال خياراً رئيساً، لكنه لا يمكن أن يكون على حساب الدولة او أن يتحول الى هدنة مفتوحة تمنح الطرف المنقلب فرصة لاعادة تنظيم صفوفه. فالسلام المستدام يحتاج الى توازن يفرض الالتزام، ومسار سياسي يقود الى انهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، لا إلى اعادة انتاجه.


اليمن اليوم امام اختبار حقيقي، وما سوف يحسم عسكرياً وسياسياً قد يرسم ملامح الدولة لعقود قادمة. لذلك، فإن خيار الردع واسناده برؤية سياسية ودبلوماسية واعلامية متماسكة ضرورة لحماية مستقبل الدولة ومنع تغيير المعادلة السياسية لصالح جماعة الحوثي. وعليها أن تتحمل نتائج خيارها، وعلى الدولة أن تمضي في طريق الردع حتى انهاء الانقلاب، واستعادة مؤسسات الدولة، وفتح الطريق امام سلام حقيقي لا يكون فيه السلاح فوق الدولة، ولا جماعة الحوثي فوق القانون.