آخر تحديث :الثلاثاء-01 سبتمبر 2026-07:57ص

أحزاب ترتب أوراقها وحوار جنوبي ينتظر..

الإثنين - 31 أغسطس 2026 - الساعة 11:13 م
محمد خالد


طتتصارع الأحزاب والقوى السياسية اليوم من أجل إعادة ترتيب أوراقها بعد سنوات من التشظي والانقسام، وهو التشظي الذي كانت هذه القوى نفسها أحد أسبابه، بينما يبقى الحوار الجنوبي في الانتظار، وكل جهة تحاول ترتيب حساباتها وفق مصالحها وموقعها في المشهد القادم.

وفي خضم هذا المشهد، تغيرت مواقف كثيرة، وتبدلت البوصلة عند بعض الأشخاص بحسب اتجاه المصالح. أشخاص كانوا بالأمس في موقع، أصبحوا اليوم في موقع آخر، وآخرون غيروا مواقفهم وشعاراتهم، والجميع يتحدث عن الوطن، ويدّعي أنه يعمل من أجل اليمن أو من أجل الجنوب وقضيته.


لقد أصبحنا أمام مشهد سياسي تتداخل فيه المصالح مع المواقف، وتتحول فيه بعض القضايا الوطنية إلى أوراق تستخدم في التفاوض، بينما يبقى المواطن هو الطرف الذي يدفع الثمن. هناك من يتحدث باسم اليمن، وهناك من يتحدث باسم الجنوب، وكل طرف يقدم نفسه باعتباره الأحرص على مصلحة الناس، لكن الواقع يقول إن كثيرًا من الحسابات أصبحت مرتبطة بالمواقع والنفوذ والمصالح أكثر من ارتباطها بما يريده المواطن.


تغيرت المواقف في ليلة وضحاها، وباع البعض واشترى في كل شيء تحت عناوين مختلفة؛ مرة باسم الدفاع عن اليمن، ومرة باسم الدفاع عن الجنوب، وفي الحالتين بقيت الحقيقة واحدة: المواطن ينتظر، والحقوق تتأخر، والبلاد تدفع ثمن الانقسام.


ولولا وفاء الشهداء وبطولاتهم، ولولا الجرحى الذين دفعوا من أجسادهم ثمن هذه السنوات، لما استطاع كثير ممن يتصدرون المشهد اليوم أن يعودوا إلى الواجهة أصلًا. هؤلاء الشهداء والجرحى لم يكونوا يبحثون عن منصب أو موقع أو مكسب سياسي، وإنما كانوا في مقدمة الصفوف عندما كانت الأرض بحاجة إلى من يحميها.


ولهذا فإن الحديث عن المستقبل يجب ألا يبدأ من ترتيب مواقع الأحزاب والقوى السياسية فقط، بل من إعادة ترتيب الأولويات نفسها. ومن المؤسف أن يأتي الشهداء والجرحى في نهاية قائمة الاهتمام، بينما تتقدم أسماء أخرى لم تكن موجودة في المشهد عندما كانت المعركة في أشدها.


لقد رأينا تكريم أبناء المسؤولين والحاشية والقبيلة والمقربين، ورأينا كيف يحصل البعض على مواقع ومكاسب، بينما نُسي من كان له الحق الأول في كل ذلك. أين حق الجريح؟ وأين أسرة الشهيد؟ وأين الشباب الذين كانوا في مقدمة المشهد؟ وأين أبناء الأرض الذين تحملوا الحرب ثم وجدوا أنفسهم خارج حسابات التسويات؟


الحوار الجنوبي المنتظر يجب ألا يتحول هو الآخر إلى محطة جديدة لإعادة توزيع النفوذ بين الأشخاص والقوى، بل يجب أن يكون فرصة حقيقية لسماع كل الأصوات الجنوبية، وأن تكون فيه الأولوية لمن كانت لهم بصماتهم في الأرض، ولمن تحملوا تبعات الحرب، ولمن يمثلون المجتمع بعيدًا عن الاصطفافات والمصالح الشخصية.


فالجنوب ليس ملكًا لحزب أو مجلس أو جماعة أو مجموعة من الأشخاص، كما أن اليمن ليس ملكًا لمن يتحدث باسمه أكثر من غيره. الوطن ملك لأبنائه، والقرار يجب أن يكون معبرًا عن تطلعاتهم وحقوقهم، لا عن حسابات من يبحثون عن موقع جديد في مرحلة جديدة.


اليوم، تعيد القوى السياسية ترتيب أوراقها، لكن المواطن أيضًا يعيد ترتيب أسئلته. لم يعد يكفي أن نسمع من يقول إنه يحب الوطن أو يدافع عن القضية، لأن معيار الوطنية في النهاية هو ما يقدمه الإنسان لأرضه وأهلها، وما يفعله عندما تتعارض المصلحة العامة مع مصلحته الخاصة.


نحن بحاجة إلى مرحلة مختلفة، مرحلة لا يُقاس فيها الرجال بعدد المناصب التي حصلوا عليها، ولا القضايا بعدد الشعارات التي رُفعت باسمها، وإنما بما تحقق على الأرض من حقوق وعدالة واستقرار.


ومن حق الشهداء والجرحى، قبل كل هذا الطابور الطويل العريض من السيدات والسادة، أن تكون لهم الأولوية في الذاكرة والإنصاف والحقوق. فمن دفع الثمن أولًا، يجب ألا يكون آخر من يُلتفت إليه.


إن ترتيب الأوراق السياسية لا قيمة له إذا بقيت أوراق المواطنين مرمية في الأدراج، والحوار الجنوبي لن ينجح إذا لم يشعر أبناء الجنوب أن أصواتهم حاضرة فيه، والسلام لن يكون مستدامًا إذا بقيت الحقوق التي قامت عليها التضحيات معلقة.


قد تتغير التحالفات، وتتبدل المواقع، وتتغير البوصلة عند البعض، لكن هناك شيئًا واحدًا لا ينبغي أن يتغير: حق الوطن وأبنائه في أن يكونوا أولًا.