تظل كتابة التاريخ وقراءته عبر الوسائط الإعلامية المعاصرة من أكثر المهمات خطورة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالهوية الوطنية اليمانية ومحطات تحولها الكبرى. وما شهدناه في حلقة برنامج "سجال" على قناة العربية، والتي استضاف فيها الإعلامي عبد الله إسماعيل قراءة لمرحلة الإمام يحيى بن حميد الدين، كشف عن معضلة منهجية تتكرر في تناول التاريخ اليمني: معضلة تقديم الحُكم المسبق على التحقيق العلمي، وإحلال الانفعال والخصومة محل التفكيك والتحليل الموضوعي.
أولاً: الإعلام وسؤال الحياد المفترَض
لا ينبغي للشاشة الاستعراضية أن تتحول إلى منصة تصفية حسابات تاريخية أو شخصية؛ فحين يغيب التوازن ويستبد العطَف الأيديولوجي أو المرارات الذاتية بالضيف والمُضيف، يفقد الخطاب قدرته على الإقناع والتنوير. إن نقد تجربة الإمام يحيى – وهو نقد مشروع وضروري – يتطلب الاستناد إلى الوثائق والأرقام، والسياقات الاقتصادية والسياسية الدولية والمحلية المحيطة، وليس الاكتفاء بمرويات شفهية وانطباعية تخلو من التوثيق الصارم.
إن التجريد المطلق لشخصية تاريخية شَكّلت ملامح جغرافيا وحكمت لثلاثة عقود ونيف، وتحويلها إلى مجرد مجسَّم سوداوي خالص، يعمي البصيرة عن فهم "كيف تُبنى الدول" و"كيف تتآكل"، ويجعل القارئ والمشاهد ضحية لتوجيه إعلامي أحادي الاتجاه.
ثانياً: هل صنع الإمام التردي أم ورثه؟
يفرض هذا السؤال المنهجي نفسه بقوة على أي قراءة واعية للتاريخ الاجتماعي والسياسي لليمن. فالوضع المتردي الذي يشار إليه غالباً في عهد الإمام يحيى (من عزلة وشحّ في الموارد وتأخر تنموي) لم يكن وليد قرار فردي مفاجئ، بل كان نتاج:
دورة الصراعات الداخلية الممتدة: التي طحنت اليمن لقرون بين قوى متصارعة على السلطة، وتفكك سلطة المركز لصالح النفوذ القبلي والمناطقي.
التركة العثمانية والحروب المتصلة: إذ خرج اليمن من المواجهات ضد الوجود العثماني وضغط القوى الاستعمارية وهو مجهد بائس لا يملك بنية تحتية ولا أجهزة إدارية حديثة.
سياسة العزلة الدفاعية: التي اعتمدها الإمام خياراً اضطرارياً للحفاظ على الاستقلال السياسي والسيادي في بيئة إقليمية ودولية كانت تموج بالتوسع الاستعماري في المنطقة العربية والأفريقية.
ومن هنا، فإن مراجعة شهادات قادة وسياسيين من أبناء الحركة الوطنية والجمهورية ذاتها تكتسب أهمية فائقة. فالشهادة الشهيرة للدكتور محسن العيني (أحد أبرز قادة العهد الجمهوري ورئيس الوزراء الأسبق) حين وصف الإمام يحيى بأنه "باني الدولة اليمنية الحديثة" وقد جاء هذا التوصيف في برنامج شاهد على العصر الحلقة الاولى، لم تكن مجاملة تاريخية، بل إقراراً واقعياً بأن الإمام استطاع توحيد الجغرافيا المتشظية، وتأسيس هيئة مركزية للدولة لأول مرة بعد فترات طويلة من الشتات والحروب الأهلية.
ثالثاً: إنصاف الموقف السيادي وادارة الأزمات
إذا ما نُظر إلى التجربة بعين المنطق السياسي والوعي الاجتماعي المقارن، فإن هناك محطات حاسمة في عهد الإمام يحيى تسجل له لا عليه، وتكشف عن حجر الزاوية في مفهوم الاستقلال الوطني لديه:
إدارة الصراع الحدودي (عام 1934): تجلّت حكمة الإمام يحيى في حسن تغليبه للمصلحة الوطنية العليا أثناء الصراع الحدودي وحسمه عبر "معاهدة الطائف"، رافضاً أن يستمر الصراع نزيفاً مفتوحاً يفتح الباب أمام التدخلات والأطماع الاستعمارية الغربية التي كانت تتربص بالمنطقة.
رفض الإملاءات القطبية والإيطالية: في الوقت الذي كانت فيه القوى الفاشية الإيطالية تسعى بكل ثقلها للحصول على موطئ قدم وقاعدة عسكرية على شواطئ باب المندب، يقف التاريخ مشيداً بموقف الإمام الحاسم في رفض هذه العروض والتنازلات السيادية، مضحياً بالدعم المالي والعسكري المباشر في سبيل الحفاظ على عروبة واستقلال الممر المائي الاستراتيجي، وقد اكد هذا المعنى المؤرخ حسن صالح شهاب في كتابه تاريخ السلطنة العبدليه.
رابعاً: إعادة قراءة الأحداث والمتخيل الشفهي
إن التمييز بين "النقد السياسي لنظام الحكم" وبين "شرعنة العنف والتصفيات" يمثل ركيزة أساسية لأي مجتمع يطمح لبناء دولة القانون والعدالة.
ولذلك لم تتضمن مضامين أدبيات حركة 48 الدستورية أي إشارة إلى تصفية الإمام يحيى جسدياً، ولا حتى عزله سياسياً، بل ارتبط تطبيق الإصلاحات السياسية بما بعد وفاته.
وهذا ما أكده صاحب كتاب رياح التغيير في اليمن احمد الشامي.
ولا تكتمل إعادة قراءة تلك المرحلة بالوقوف عند الروايات المرتبطة بنهايتها وحدها، بل لا بد من العودة أيضاً إلى الكيفية التي رآه بها بعض معاصريه ممن التقوه وعرفوا شخصيته عن قرب.
ولعل من الإنصاف، قبل إطلاق الأحكام الجاهزة على الإمام يحيى، العودة إلى شهادات شخصيات عربية عاصرته وعرفته عن قرب، لا إلى الصور التي صاغها خصومه السياسيون بعد عقود. فقد رأى أمين الريحاني في الإمام يحيى حاكماً كبير الشخصية، قوي الإرادة، شديد التمسك باستقلال بلاده، وإن أخذ عليه محافظته وانغلاقه وتردده في الانفتاح على مقتضيات العصر. أما الأمير شكيب أرسلان، فقد نظر إليه بوصفه رمزاً للاستقلال العربي والإسلامي، وحاكماً ذا وزن سياسي استطاع أن يحافظ على كيان اليمن في زمن كانت المنطقة تتساقط فيه تحت النفوذ الأجنبي، مع تحفّظه على محدودية انفتاح دولته على مشروع التحديث والاستفادة من الكفاءات العربية. وهذه الشهادات، في جوهرها، لا تقدم إماماً معصوماً من الأخطاء، لكنها أيضاً تهدم الصورة الكاريكاتورية التي يراد اختزاله فيها باعتباره مجرد حاكم جاهل وطاغية منعزل؛ فهي ترسم شخصية حاكم معقدة، قوية ومحافظة في آن واحد، نجح في حماية استقلال بلاده، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في دفعها سريعاً نحو الدولة الحديثة. وبين التقديس والتشويه، ربما تكمن حقيقة الإمام يحيى الأقرب إلى الإنصاف.
خلاصة القول
لم يكن الإمام يحيى بن حميد الدين ملاكاً ولا حاكماً مثالياً؛ فقد شاب عهده الكثير من الانغلاق، وتأخر الاستجابة لمتطلبات العصر التنموية، واشتداد العزلة على المجتمع اليمني. غير أن تصويره كشيطان رجيم تسبب بمفرده في كل نكبات اليمن هو تجنٍّ مفضوح يفتقر إلى المنهج التاريخي السليم.
إن بناء وعي يمني جمعي ومستنير يقتضي قراءة التاريخ بكليته: الاعتراف بحسنات البناء والاستقلال السيادي، ونقد الإخفاقات والتراجع التنموي، بعيداً عن شاشات الإثارة وعاطفة الخصومة المسبقة.
ولستُ أكتب هذه السطور دفاعاً عن الإمام يحيى لأنتمي إلى المدرسة التي حكم باسمها، ولا لأنني أرى أن تجربته السياسية كانت فوق النقد. فأنا، من حيث الانتماء الجغرافي والاجتماعي، أنتمي إلى بيئة شافعية، ولا أجد في ذلك ما يمنعني من أن أقرأ تجربة الإمام يحيى بقدر من الإنصاف، كما لا أجد في نقد بعض سياسات الرجل ما يبرر تحويله إلى صورة شيطانية تختزل أكثر من أربعة عقود من تاريخ اليمن في مجموعة من الاتهامات والأحكام الجاهزة.
لقد حاولت، من خلال ما قرأت عن الرجل ومرحلة حكمه، أن أفصل بين الإمام يحيى كما كان في سياقه التاريخي، وبين الصورة التي يمكن أن تُرسم له بعد عقود طويلة من سقوط نظامه. ووجدت أن المسافة بين الأمرين كبيرة؛ فثمة أخطاء واستبداد وممارسات سياسية يمكن نقدها، لكن ثمة أيضاً ظروف تاريخية معقدة، ومواقف وطنية وسيادية، ومحاولات لبناء سلطة مركزية ودولة مستقلة، لا يجوز محوها كلها من السجل التاريخي لمجرد اختلافنا مع طبيعة النظام الإمامي.
إن المشكلة ليست في أن ننتقد الإمام يحيى، فالتاريخ لا يعرف الشخصيات المقدسة في السياسة، وإنما المشكلة حين يتحول النقد إلى إدانة شاملة، وحين تُنتقى من التاريخ الوقائع التي تخدم حكماً مسبقاً، ثم تُهمل الوقائع الأخرى التي قد تجعل الصورة أكثر تعقيداً.
والإنصاف هنا لا يعني تبرئة الإمام يحيى، كما أن النقد لا يعني شيطنته. إنما يعني أن نضع الرجل في زمنه، ونقرأ قراراته في ضوء الظروف التي أحاطت به، ثم نحاكمه إلى الوقائع لا إلى المواقف السياسية اللاحقة.
ولهذا فإن اعتراضي على ما طرح في برنامج «سجال» لا ينطلق من رغبة في استعادة شرعية الإمامة، ولا من خصومة مع الجمهورية، وإنما من قناعة بسيطة: التاريخ لا يُنصفه المدح المطلق ولا الذم المطلق؛ وإنما تنصفه القدرة على رؤية الإنسان والمرحلة بكل تناقضاتها.