في لحظة إعلان نتائج الثانوية، لا ينتظر الطالب أكثر من شيء واحد: أن يرى سنوات التعب والسهر وقد تحولت إلى رقم يحق له أن يفتخر به. وراء كل درجة قصة بيت، وأم وأب، وكتب وقلق وانتظار.
ولهذا فإن قصة طالبة سورية درست في اليمن وتفوقت في امتحانات الثانوية العامة ليست تفصيلًا إداريا عابرا
وبحسب ما أُعلن، حصلت الطالبة على 99.25%، لكن اسمها لم يظهر ضمن قائمة أوائل الجمهورية، وهو ما أثار موجة واسعة من التساؤلات حول سبب استبعادها.
وهنا يجب أن نتوقف قليلا..لماذا؟!!
إذا كان السبب أنها سورية، فهذه ليست مجرد مسألة تتعلق بقائمة أوائل؛ إنها مسألة أكبر تتعلق بالطريقة التي ننظر بها إلى التعليم نفسه.
قد يقول قائل: القوائم الرسمية لها شروط، والامتيازات الدراسية والمنح قد تكون مقصورة على المواطنين. وهذا اعتراض يستحق أن يؤخذ بجدية، فلا يجوز المطالبة بتجاوز قانون أو لائحة من أجل حالة إنسانية.
لكن هناك فرقًا جوهريًا بين الامتياز الذي تحدده الجنسية وبين الاعتراف بالتفوق الذي تصنعه النتيجة.
إذا كانت الطالبة قد خضعت للنظام التعليمي والامتحاني نفسه، وحصلت على هذه الدرجة، فما الذي يمنع الدولة من الاعتراف بتفوقها وتكريمها، حتى لو كانت بعض المزايا المرتبطة بقائمة الأوائل مقصورة قانونًا على اليمنيين؟
وإذا كانت هناك لائحة تمنع إدراج غير اليمنيين ضمن القائمة الرسمية، فالسؤال الأبسط والأكثر عدلًا هو: أين هذه اللائحة؟ وما نصها؟ وهل تفرق فعلًا بين إعلان الترتيب الأكاديمي وبين منح الامتيازات؟
هذه الأسئلة ليست اتهامًا لوزارة التربية، بل هي الطريق الطبيعي لإزالة الالتباس.
ثم هناك زاوية أخرى لا ينبغي تجاهلها.
اليمنيون الذين يعيشون ويدرسون في بلدان أخرى يسعدون حين يتفوق أبناؤهم، ويعتبرون تكريمهم اعترافًا بجهدهم. فلماذا نريد من العالم أن يرى تفوق أبنائنا ويتعامل معهم بعدالة، بينما نضيق نحن بهذه العدالة عندما يكون المتفوق طالبًا عربيًا على أرض اليمن؟
نحن لا نتحدث هنا عن منح الجنسية لأحد، ولا عن منح امتياز لا يسمح به القانون..نتحدث عن طالبة تفوقت والتفوق لا ينبغي أن يكون له جواز سفر.
الضرر أيضا لا يقع على الطالبة وحدها. هناك رسالة تصل إلى آلاف الطلاب: هل قيمة اجتهادك مرتبطة بأصل والديك؟ وهل يمكن أن تذاكر سنوات طويلة، ثم يأتي يوم التكريم لتكتشف أن هناك معيارا آخر لم يكن في ورقة الامتحان
هذه الرسالة، إن صحت، أخطر من غياب اسم في قائمة.
ولهذا فإن الحل ليس في الشتائم ولا في تحويل القضية إلى معركة سياسية. الحل في مراجعة شفافة: توضيح الأساس القانوني للاستبعاد، والتحقق من آلية ترتيب الأوائل، ثم إنصاف الطالبة بما لا يتعارض مع القانون.
وإذا كانت اللوائح تمنع إدراجها رسميًا، فليكن هناك تكريم واضح ومستقل لتفوقها، وليُقال لها أمام الناس: لقد تفوقتِ، ونحن نرى هذا التفوق ونحترمه.
فالدولة القوية ليست التي تتمسك بالإجراء مهما كانت نتيجته، وإنما التي تعرف كيف تطبق القانون دون أن تفقد إنسانيتها، وفي النهاية، ربما لا تحتاج هذه الطالبة إلى حملة من أحد بقدر ما تحتاج إلى موقف بسيط من وزارة التربية:
أن تقول لها إن تفوقك لم يذهب سدى. وإذا عجزت المؤسسات عن منحها حقا لا يسمح به القانون، فلا أقل من أن تمنحها حقها المعنوي.
أما أن يصبح جواز السفر أقوى من 99.25%، فهنا لا تكون المشكلة في طالبة سورية فقط، بل في الرسالة التي نرسلها عن اليمن، وعن التعليم، وعن معنى العدالة.