آخر تحديث :السبت-29 أغسطس 2026-07:56ص

نجحوا.. والآن ماذا سنفعل بهذا النجاح؟

الجمعة - 28 أغسطس 2026 - الساعة 09:45 م
د. سمير أحمد بوست


في بعض البيوت اليمنية هذه الأيام، كانت هناك لحظة تشبه العيد.

هاتفٌ في يد الأب، وأمٌّ تنتظر النتيجة، وطالبٌ يحاول أن يبدو هادئًا، وهو في الحقيقة يحبس أنفاسه. ثم تظهر الكلمة التي انتظرها الجميع:


ناجح.

كلمة صغيرة تختصر سنوات من التعب، وسهر أسرة، ودعاء أم، وأمل شاب ينتظر أن يفتح له الغد بابه.


مبارك لأبنائنا وبناتنا، ولكل أسرة ومعلم كان شريكًا في هذه الرحلة.

لكن بعد الفرح، يبقى سؤال أكبر:

ماذا سنفعل بهذا النجاح؟


فنسبة النجاح المرتفعة في الثانوية العامة خبر جميل، لكنها ليست نهاية الرحلة؛ بل بداية مسؤولية جديدة: أن نساعد كل شاب وفتاة على اكتشاف الطريق الذي يستطيع أن ينجح فيه، ويحتاج إليه وطنه.


وفي بلدٍ أثقلت أزماته الأسر، وتراجعت فيه فرص العمل، لم يعد طريق التعليم واضحًا للجميع.


بعض الشباب يترك الدراسة بحثًا عن دخل سريع، وبعضهم تجذبه مسارات العسكرة لأنها تبدو أقرب إلى الفرصة المتاحة.


وهنا لا يكفي أن نسأل:

لماذا تركت الدراسة؟ بل علينا أن نسأل أنفسنا:

ماذا قدمنا له إذا اختار أن يبقى فيها؟

لأن الشاب الذي لا يرى في التعليم طريقًا إلى فرصة، قد يبحث عن طريق آخر.


ولذلك، لسنا بحاجة إلى أن يسير الجميع في المسار نفسه.

نحتاج إلى جامعات قوية، وبحث علمي حقيقي، وتخصصات حديثة، لكننا نحتاج كذلك إلى تعليم مهني وتقني محترم وحديث، مرتبط بسوق العمل.


نحتاج المبرمج، والممرض، وفني الكهرباء والطاقة، والتقني الصناعي، والمتخصص في الزراعة الحديثة واللوجستيات والاتصالات، وغيرها من المهن التي يحتاجها الاقتصاد الحقيقي.


ليس المهم أن يحمل الجميع الشهادة نفسها؛ المهم أن يمتلك كل إنسان معرفة أو مهارة يستطيع أن يبني بها حياته، ويخدم بها مجتمعه.


وهنا يمكن أن نخطو خطوة أكثر ذكاءً:


لماذا لا نطوّر، إلى جانب نتيجة الثانوية، أدوات وطنية للقياس والتقويم تساعد الطالب على اكتشاف ميوله وقدراته ومهاراته، وتساعد الأسرة والجامعة وسوق العمل على اختيار المسار الأنسب له؟


وهذه ليست فكرة جديدة؛ فقد أصبحت اختبارات القياس والإرشاد المهني جزءًا من منظومات التعليم في دول كثيرة، لما توفره من اكتشاف مبكر للمواهب، وتوجيه أفضل للطلاب، وتقليل للاختيارات العشوائية، وربطٍ أكثر واقعية بين التعليم واحتياجات سوق العمل.


والأهم أن تكون هذه الاختبارات أداة إرشاد لا أداة إقصاء؛ فالاختبار الجيد لا يقول للطالب: هذا ما تستطيع أن تكونه، بل يساعده على معرفة ما يناسبه، وما يمكن أن يصبحه، وأين يستطيع أن يصنع أفضل ما لديه.


فقد لا يكون الطالب المتعثر في مسار أكاديمي هو الأقل قدرة؛ ربما تكمن قوته في مجال تقني أو مهني أو إبداعي، لم يجد من يساعده على اكتشافه.


وهنا يصبح دور التعليم بأنواعه أكبر من توزيع الشهادات:


أن يكتشف الإنسان نفسه، ثم يجد المجال الذي يستطيع أن يزدهر فيه.

فالوطن لا يحتاج فقط إلى خريجين أكثر؛ بل إلى خريجين أكثر جاهزية للحياة والعمل والإنتاج والبحث والابتكار.

أما النجاح الحقيقي، فلا ينبغي أن يتوقف عند لحظة إعلان النتيجة.


فوراء كل شهادة شابٌ ينتظر فرصة، وأسرةٌ تتطلع إلى مستقبل أفضل، و وطنٌ يحتاج إلى كل عقلٍ و يدٍ قادرتين على البناء.


وإذا أحسنّا توجيه هذا الجيل، وفتحنا أمامه مسارات متعددة للتعلُّم والعمل والإبداع، فقد تتحول نتيجة اليوم من رقمٍ جميل في سجل التعليم... إلى قوةٍ حقيقية في مستقبل البلد.


وهذا هو النجاح الذي يستحق أن نحتفل به.