لم يعد من الممكن قراءة التحولات التي يشهدها الشرق الاوسط من خلال الحروب المنفصلة او الازمات الثنائية. فالحرب على غزة والمواجهة مع ايران والتوتر في البحر الاحمر والحرب في السودان والانقسام الليبي والازمة المصرية الاثيوبية والتنافس التركي اليوناني واعادة ترتيب العلاقات السعودية الايرانية والتغيرات في سوريا والعراق واليمن تبدو في ظاهرها ملفات مختلفة لكنها في عمقها تتقاطع عند فكرة القدرة على تركيب المجال الاقليمي في منظومة قوة جديدة.
هذه القدرة هي التي تجعل اسرائيل مختلفة عن معظم القوى الاقليمية؛ فالدول العربية وتركيا وايران تتحرك من خلال مصالح وطنية او قومية محددة بينما تتحرك اسرائيل بحكم حجمها وطبيعة بيئتها الامنية بمنع نشوء بيئة اقليمية تستطيع فيها قوة اخرى او مجموعة من القوى تجاوز التفوق الاسرائيلي.
ذلك أن المشروع الاسرائيلي الاكثر فاعلية ليس السيطرة المباشرة على الشرق الاوسط وانما منع ظهور كتلة اقليمية قادرة على جمع عناصر القوة المتفرقة في منظومة استراتيجية مستقلة.
هذه الاطروحة لا تعني ان كل ازمة في المنطقة صنعتها اسرائيل ولا ان كل تحرك اسرائيلي جزء من خطة واحدة محكمة تمتد لعقود.
ف الواقع اكثر تعقيدا ومنا أن هناك دول تتصرف وفقا لمصالحها الخاصة وقوى محلية تولد صراعاتها وتناقضات تاريخية واجتماعية واقتصادية لا تحتاج الى تدخل خارجي لكي تتنامى فيها سلسلة الانفجارات .
ولكن السياسة الدولية لا تقاس فقط بمن صنع الازمة وإنما ايضا بمن يستفيد من نتائجها.
وهنا تظهر اهمية مفهوم الاستفادة الاستراتيجية من التفكك العربي والتنافسات بين دول المشرق الإسلامي.
ومن هنا فإننا لا نعزو حصار دولة ما بعدة أزمات امنية أن تكون بفعل إسرائيل ودول الغرب وأمريكا أو أنهم أوجدوا كل هذه الأزمات حتى يحققون نتائجهم التي يريدونها.
وانمت يكفي ان يوظفونها ويديرونها بحسب مصالحهم مما يعني أن التوظيف يتولد بالتعطيل والاعاقة تبدأ بأخطاء الداخل .
وهذا يفسر لماذا تبدو المنطقة في كثير من الاحيان وكأنها تتحرك في دوائر متوازية فايران في الخليج والمشرق و تركيا في سوريا والعراق وليبيا وشرق المتوسط و مصر في ليبيا والسودان والبحر الاحمر والنيل و السعودية في اليمن والخليج والبحر الاحمر وايران والامارات في الموانئ والجزر والممرات البحرية بينما تبقى اسرائيل قادرة على متابعة هذه المسارح جميعا من مواقع مختلفة.
فالقوة الاسرائيلية هنا ليست فقط في حجم القوات او نوعية السلاح وإنما في القدرة على الانتقال بين ساحات الازمات وقدرتها على التدخل المباشر في أي دولة .
إن الدولة التي تستطيع العمل في الجو والبحر والفضاء والسايبر والاستخبارات وتملك شبكة علاقات دولية واسعة تستطيع التأثير في جبهات متعددة دون ان تكون موجودة عسكريا في كل مكان وهذا هو معنى التفوق الاسرائيلي في مرحلته الجديدة.
فلم تعد القوة تقاس فقط بمن يملك الارض وانما بمن يملك القدرة على تعطيل حركة الآخرين في أي مكان وربما أن تعلم كثير من دولنا ماذا جرى الا من خلال الاستعانة بقوى خارجية متقدمة.
وتقع إيران على نقطة البداية في هذا النموذج لانها تمثل اكبر تحد جيوسياسي مباشر للمشروع الاسرائيلي لأن المشكلة الايرانية بالنسبة لاسرائيل ليس فقط في البرنامج النووي ولا الصواريخ ولا الخطاب السياسي أو دعم مليشيات مسلحة في المنطقة.
وإنما المشكلة الاساسية تكون في مدى قابلية ايران للتحول من دولة محاصرة إلى مركز اقليمي مستقل.
فايران تمتلك مساحة واسعة وقوى ديمغرافية و موارد طاقة متعددة و موقعا استراتيجيا على الخليج وبحر عمان وحدودا مع اسيا الوسطى والقوقاز والعراق وتركيا وباكستان وقدرة صاروخية وقاعدة صناعية وعسكرية وتجربة طويلة في العمل عبر شبكات نفوذ غير مباشرة مع الصين وروسيا وكوريا ودول أخرى.
ولهذا فان ايران الضعيفة ليست بالضرورة الهدف الوحيد او النهائي.
فالسيناريو الاكثر ملاءمة لاسرائيل قد يكون أن تبقى ايران قوية بما يكفي للبقاء ولكنها غير قادرة على تحويل قوتها الى نظام اقليمي وتأثير جيوسياسي متماسك .
ومن ثم فإن الهدف هو تغيير النظام من معاد إلى حليف وليس الهدف من ذلك انهيار ايران لأن ذلك يمكن ان يوجد فراغا لقوى تستثمر القتال في مشاريعها العابرة للحدود الاقليمية منا يصعب السيطرة عليه .
كما لا تريد أن تكون ايران قوية ومندمجة اقليميا و منافسة لها.
اما ايران مستقرة لكنها منكفئة على قوميتها واقتصادها الداخلي وعلاقاتها الدولية فقد تكون اقل خطرا على أن تفتح المجال للمشاريع الإسرائيلية الأمنية والاقتصادية .
من هنا تأتي اهمية التمييز بين تغيير النظام وتغيير السلوك الجيوسياسي للدولة.
فاذا تحولت ايران بعد اي تسوية كبرى الى دولة قومية براغماتية تركز على التنمية والاقتصاد والاستثمار والتجارة فقد تدخل في علاقات جديدة مع الغرب ودول الخليج وحتى اسرائيل في مراحل لاحقة.
وبذلك يمكن أن تصبح ايران قوية اقتصاديا وعسكريا وتنحصر قوتها في اطار قومي وليس في اطار مشروع اقليمي عابر للحدود مما يجعل صراعها محصورا مع دويلات الخليج والعراق ومنطقة القوقاز حيث تتركز قوميتها التاريخية وبذلك يتحول مشروعها الإسلامي إلى مشروع قومي بتحديات أخرى.
وهذا السيناريو سيكون اكثر صعوبة على اسرائيل من ايران الضعيفة لكنه اقل خطرا من ايران التي تنجح في بناء محور اقليمي متعدد الجهات.
وبعد إيران فإن تركيا هي التحدي الذي يمكن ان اصبح اكثر اهمية على المدى المتوسط وفشل أمريكا وإسرائيل في إيران عطل مشاريعهما في تركيا ومصر والسعودية وباكستان.
فتركيا بالنسبة لإسرائيل تعد تهديدا عسكريا كما أنها مرعبة لها بما تمتلكه من عناصر القوة التي تسمح لها ببناء منظومة نفوذ مستقلة ؛ جيش كبير وصناعة دفاعية متطورة واقتصاد متنوع وموقع جغرافي يجمع اوروبا واسيا والشرق الاوسط وعضوية في الناتو وعلاقات مع روسيا وعلاقات مع العالم العربي وحضور في سوريا والعراق وليبيا وامتداد في شرق المتوسط وحضور متزايد في القوقاز والقرن الافريقي.
هذه العناصر تجعل تركيا مختلفة عن معظم القوى الاقليمية.
فالسعودية تمتلك المال والطاقة،
لكن ليس لديها الموقع التركي نفسه ومصر تمتلك الجيش والموقع و لكن قدرتها الاقتصادية مختلفة وايران تمتلك الجغرافيا والموارد ولكنها تواجه عقوبات وعزلة.
اما تركيا فتجمع بين القوة العسكرية والصناعة والجغرافيا والعلاقات الدولية.
ولهذا فان تركيا اذا ارتبطت اقتصاديا وامنيا مع الخليج وخصوصا السعودية يمكن ان تتحول الى مركز اقليمي اكثر استقلالا وهنا تكمن اهمية التقارب التركي السعودي.
إن التعاون بينهما لا شك أنه سيقلل من قدرة القوى الخارجية على التعامل مع كل طرف بصور منفصلة وعندما تلتقي القوة العسكرية التركية مع رأس المال السعودي والطاقة والاسواق العربية ستتشكل كتلة من المصالح المشتركة والسياسة تبدأ بمصالح اقتصادية.
واذا اضيفت مصر الى هذه المعادلة فان الوزن يصبح اكثر وضوحا ضمن مسار فاعل وقوي ويؤثر في الإقليم لا سيما في ظل نشوء استراتيجية الأقاليم الدولية بدلا من أحادية النظام الدولي المستقل .
وتعد تركيا الجناح الشمالي بالنسبة للاقليم والسعودية في القلب الخليجي ومصر في المركز العربي والبحر الاحمر.
وهذه الدول الثلاث لا تحتاج الى حلف عسكري حتى تؤثر في ميزان القوى وإنما يكفي التعاون في التجارة والطاقة والنقل والصناعة الدفاعية والموانئ والاستثمار.
لذلك فان التكامل الاقتصادي قد يكون اكثر خطورة على احتكار القوة الاسرائيلية من التحالفات العسكرية التقليدية لان التكامل الاقتصادي سيعيد توزيع القوة .
وتعد مصر الحالة الاكثر اهمية في الموقع ذلك أن استقرارها الداخلي وامتلاكها جيشا قويا وسيطرة على قناة السويس ووزنا سكانيا وموقعا بين المتوسط والبحر الاحمر يجعلها دولة لا يمكن تجاوزها في اي نظام اقليمي.
ولهذا فان الحرب المباشرة مع مصر ليست خيارا عقلانيا لاسرائيل لأنها ليست دولة صغيرة يمكن ضرب بنيتها العسكرية ثم احتواء نتائج الحرب.
إم الحرب معها قد تخلق نتائج لا يمكن التحكم بها وقد تؤدي الى تعبئة قومية واسعة وتدخل عربي ودولي وتغيير كامل في بنية الامن الاقليمي.
لذلك يصبح الاستنزاف غير المباشر اكثر واقعية وليس بالضرورة من خلال صناعة الازمات وإنما من خلال تراكمها من ليبيا في الغرب والسودان في الجنوب واثيوبيا وازمة النيل في الجنوب الشرقي والبحر الاحمر في الشرق والقرن الافريقي وغزة وسيناء وقناة السويس.
كل هذه الملفات لا تشكل خطرا واحدا ولكنها عندما تتزامن توجد بيئة امنية ممتدة الجهات والجبهات وهنا يمكن قياس الاستنزاف بطريقة مختلفة.
فالدولة لا تحتاج الى دخول حرب حتى تكون في حالة استنزاف وانما يكفي ان ترتفع كلفة المراقبة الحدودية و ان تتوسع مناطق الانتشار العسكري و ان تحتاج القوات البحرية الى حماية الممرات و ان تحتاج الدولة الى طائرات وانظمة دفاع ومعلومات استخباراتية في اكثر من اتجاه.
ويكفي ان تضطر الحكومة الى تخصيص موارد اقتصادية للامن بدلا من التنمية وهذه هي حرب الاستنزاف الجغرافية التي كان من أسبابها ثورات الربيع العربي.
وهي اخطر من الحروب التقليدية .
ويقع يمثل في هذه المعادلة بموقع العمق بالنسبة لمصر والبحر الأحمر كما انه جزء من منظومة النيل والقرن الافريقي.
واي تفكك طويل المدى للدولة السودانية يفتح المجال امام قوى محلية واقليمية ودولية متعددة.
وهذا التهديد سيكون بسبب غياب دولة سودانية مستقرة تستطيع ضبط حدودها وموانئها ومجالها الحيوي.
اما ليبيا فتمثل الجانب الغربي من المعادلة اذ ان استمرار الانقسام الليبي سيجعل من الحدود مع مصر ملتهبة منا يرفع من التكاليف الأمنية .
وهذا يفرض على القاهرة الاحتفاظ بقدرات عسكرية واستخباراتية مستمرة في الاتجاه الغربي.
وفي اثيوبيا تظهر معادلة مختلفة محلها سد النهضة كمشروع مائي يعد وفقا للمعطيات الحديثة جزءا من تحول اوسع في توزيع القوة داخل حوض النيل والقرن الافريقي.
وكلما تحولت اثيوبيا الى قوة اقليمية اكبر ارتفعت اهمية حساباتها مع مصر والسودان.
و من الخطأ اختزال هذا المسار كله في نظرية مؤامرة اسرائيلية.
لأن لاثيوبيا مصالحها الوطنية الخاصة والدول العربية لديها مصالحها والقوى الدولية لديها حساباتها.
ويمكن أن تكون النتيجة الاستراتيجية تشتيت القدرات العسكرية المصرية في عدة جهات .
وهذا بحد ذاته يحد من قدرتها على قيادة المجال العربي او بناء مشروع اقليمي مستقل دون تقاطع مصالح الدول الاقليمية والدولية.
حيث ثم ينتقل الضغط على مصر من البر الى البحر وهنا يصبح البحر الاحمر واحدا من اهم ساحات اعادة تشكيل النظام الاقليمي.
فقناة السويس تربط المتوسط بالمحيط الهندي وباب المندب يربط البحر الاحمر بخليج عدن
وتعد جيبوتي تمثل قاعدة بحرية ولوجستية دولية.
ويمتلك الصومال ساحلا طويلا على المحيط الهندي وتقع ارض الصومال بالقرب من احد اهم الممرات البحرية العالمية.
ولليمن د موقعا استثنائيا على باب المندب والسعودية ومصر تسيطران على جانبي البحر الاحمر العربيين.
هذه الجغرافيا تجعل البحر الاحمر ليس بحرا عربيا فقط وإنما منظومة استراتيجية دولية بوحود الصين والولايات المتحدة وفرنسا وقوى خليجية وتركيا بينما تراقب اسرائيل المجال كما ان ايران موجودة عبر شبكة علاقاتها وكل طرف ينظر الى الممرات البحرية باعتبارها جزءا من امنه الاقتصادي.
ولهذا فان مستقبل البحر الاحمر قد يكون اكثر اهمية من بعض الجبهات البرية فمن يملك الموانئ لا يملك التجارة فقط وإنما يملك القدرة على التأثير في حركة التجارة ومن يملك المعلومات البحرية يملك قدرة اكبر على التحكم في الازمات ومن يملك القدرة على حماية الملاحة يصبح جزءا من منظومة الامن الدولي.
وهنا يمكن لاسرائيل ان تستفيد من موقعها على البحر الاحمر عبر ارض الصومال أو علاقاتها بارتيريا و لكن الاهم هو ارتباطها المتزايد بشبكات الامن البحري الاقليمي والدولي.
وتقع السعودية في قلب هذه المعادلة فالمملكة ليست دولة نفطية فحسب وانما هي مركز مالي واستثماري وطاقة وقوة عربية واسلامية وتمتلك ساحلين احدهما على الخليج والاخر على البحر الاحمر.
وهي اليوم تتجه لأن تكون لاعب اقتصادي اكثر استقلالا من السابق عبر ما تقظمه من مشاريع البنية التحتية و الموانئ والطاقة والاستثمار والسياحة و الصناعات الجديدة والتوجه نحو تنويع الاقتصاد مما يجعل السعودية اقل قابلية للاختزال في دور المورد النفطي.
وهذا يعني ان قوتها المستقبلية قد تكون اكبر من قوتها التقليدية.
لكن هذه القوة تواجه تحديات امنية مختلفة من ايران واليمن والبحر الاحمر والخليج وامن الطاقة والتنافس الاقليمي.
وهنا تصبح المعادلة الاسرائيلية اكثر وضوحا فاذا استطاعت اسرائيل ان تجعل من نفسها جزءا من منظومة الامن السعودي، فانها لن تحصل على علاقة مع دولة عربية مهمة وإنما ستصبح جزءا من البنية الامنية للخليج والبحر الاحمر في الوقت نفسه.
وهذا تحول استراتيجي كبير.
لكن السعودية لم تعد تنتظر الحماية فقط حيث سعت خلال السنوات الاخيرة إلى تحديث سياستها الخارجية المستقلة ووسعت علاقاتها مع الصين وروسيا وتركيا وانفتحت على ايران، وحاولت تخفيض مستوى الصراعات الاقليمية وهذا الاتجاه مهم للغاية.
لان السعودية اذا نجحت في الجمع بين علاقاتها مع واشنطن وبكين وموسكو وانقرة وطهران فقد تتحول الى محور توازن بدلا من ان تكون دولة داخل محور واحد وهذا ما يجعل مسارها المستقبلي مهما بالنسبة الى اسرائيل والولايات المتحدة معا وهنا تحديدا تظهر الصين .
فالصين لا تحتاج الى قواعد عسكرية حتى تصبح مؤثرة في الشرق الاوسط وإنما يكفيها ان تكون اكبر شريك تجاري لعدد كبير من دول المنطقة وان تدخل في الطاقة والموانئ والبنية التحتية والاتصالات والتكنولوجيا.
افلقوة الصينية مختلفة عن القوة الامريكية كون امريكا تقدم الامن ثم تربطه بالسياسة اما الصين فتقدم التجارة والاستثمار ثم تحول الترابط الاقتصادي الى نفوذ وهذا يخلق منافسات مختلفة.
فاذا اتجه الشرق الاوسط نحو تكامل اقتصادي واسع مع الصين وتركيا ودول الخليج وايران فان قدرة الولايات المتحدة على احتكار المجال الاقتصادي ستتراجع ومن هنا يصبح التنافس الامريكي الصيني جزءا من الصراع الاقليمي.
واسرائيل في هذه المعادلة ستحتاج للحفاظ على موقعها بوصفها مركزا للتكنولوجيا والامن المتقدم ولكنها لن تستطيع تجاهل التحولات الاقتصادية.
ولهذا قد يصبح احد اهم الصراعات المستقبلية تتمحو عل من سيملك شبكة الربط بين الخليج والبحر المتوسط حيث تكون مشاريع النقل؛ موانئ وسكك حديد وخطوط طاقة وكابلات اتصالات وممرات تجارية.
واذا ارتبطت الخليج بالعراق وتركيا والبحر المتوسط فقد تظهر خريطة جديدة تقلل مركزية بعض المسارات التقليدية.
وفي المقابل اذا ارتبط الخليج بالبحر المتوسط عبر ترتيبات تكون اسرائيل جزءا اساسيا منها فان موقع اسرائيل الاقتصادي سيزداد.
لذلك فان الصراع على الممرات لا يقل اهمية عن الصراع على الحدود.
وهنا تظهر فكرة اسرائيل الكبرى من زاوية مختلفة ومن الخطأ اختزالها في التوسع الجغرافي فقط.
حيث تتبى تيارات اسرائيلية بالفعل تصورات توسعية دينية وقومية و لكن القراءة الاستراتيجية الاشمل تتطلب التمييز بين مشروع الحدود ومشروع المركز.
فقد تكون اسرائيل الكبرى في معناها الجيوسياسي دولة لا تحتاج الى ضم كل الارض حتى تكون هي المركز وانما تتخذه مدخلا مستقبلية يسرع من قيمتها وقوتها في المنطقة وبداية يكفي ان تصبح مركزا للتكنولوجيا و الاستخبارات والدفاع الجوي و الابتكار و الطاقة ومركز الربط بين الخليج والمتوسط ومركزا امنيا تعتمد عليه دول المنطقة.
عندها تصبح القوة الاسرائيلية اكبر من مساحتها وهذا هو التحول من الدولة القوية الى الدولة المركزية فالدولة القوية تحمي نفسها اما الدولة المركزية فتجعل الاخرين يعيدون حساباتهم بناء على وجودها وهذا ما سيمكنها عبر اتفاقيات التطبيع من التوسع وتحقيق حلم إسرائيل الكبرى لكن عبر تفكيك واضعاف القوى الإقليمية وخلق ولاءات داخلية تعرقل اتخاذ القرار ومركزيته حيث أن الحروب الأهلية واحدة من أهم مقومات اختراق الدول وخرق المبادىء وتغيير القيم .
ولكن هذا المشروع يواجه مشكلة جوهرية وهو كلما زادت الحروب الاقليمية زاد احتمال خروجها عن السيطرة.
فاسرائيل قد تستفيد من اضعاف ايران ولكنها لا تستفيد بالضرورة من انهيارها وقد تستفيد من الضغط على تركيا و لكنها لن تستفيد من اضطرابها وقد تستفيد من انشغال مصر و لكنها لا تستفيد من تحول مصر الى قوى متعددة أو نظام آخر .
وقد تستفيد من حاجة السعودية الى الامن و لكنها لن تستفيد من انهيار الاقتصاد السعودي او تهديد الملاحة الخليجية.
وهنا تظهر الحدود الموضوعية لاستراتيجية التفكيك.
فالتفكيك المفيد هو التفكيك المضبوط اما التفكيك غير المضبوط فيتحول الى فوضى اقليمية والفوضى تخلق قوى جديدة غير قابلة للتوقع.
وانهيار الدول قد يفتح المجال امام قوى محلية لا تستطيع القوى الكبرى التحكم بها.
ولهذا فان اسرائيل والولايات المتحدة رغم اختلاف الحسابات تحتاجان في النهاية الى قدر من الاستقرار والحلفاء ولكن الاختلاف هو في مستوى الاستقرار المطلوب.
فواشنطن تحتاج استقرارا يسمح بالتجارة والطاقة والقواعد العسكرية والاستثمار واسرائيل تحتاج استقرارا لا يسمح بانهيار الدول لكنه ايضا لا يسمح بقيام تكتل اقليمي مستقل أو قوى منافسة.
وهنا تقع المنطقة في منطقة رمادية خطرة بين أخطر دولتين مؤثرتين في منطقة الشرق الأوسط.
والاخطر من الحرب الشاملة هو الاستنزاف المتزامن؛ فحرب قصيرة قد توحد الدول اما سلسلة ازمات طويلة فقد تفصلها عن بعضها ومن ثم يبدو أن التوجه يعمل على اشغال مصر بالمياه والسعودية باليمن وايران وتركيا بسوريا والعراق وشرق المتوسط وايران باعادة بناء قوتها والعراق بتركيبته الداخلية وسوريا باعادة بناء الدولة واليمن بالحرب والانقسام وليبيا بالانقسام السياسي والسودان بالحرب الاهلية وفلسطين بالحرب واعادة الاعمار.
وفي هذه الاثناء تبقى اسرائيل الدولة التي تستطيع التحرك بين هذه الملفات من خلال منظومة عسكرية واستخباراتية واحدة.
هذه هي قيمة التفوق المركزي.
لكن هناك سيناريو مضادا بدأ يظهر ليغير معالم هذه الاستراتيجية الهادئة .
فالسعودية لا تريد حربا دائمة مع ايران وتركيا لا تريد استنزافا مفتوحا في المنطقة ومصر لا تريد انهيارا في السودان او ليبيا وايران تحتاج الى الخروج من العزلة والعراق يريد استعادة الدولة وسوريا تحتاج الى اعادة البناء والخليج يريد الاستقرار الاقتصادي والصين تريد استقرار الممرات واوروبا تريد امن الطاقة والهجرة والتجارة.
وحتى الولايات المتحدة تحتاج الى منع حروب اقليمية طويلة.
وهذه المصالح المتقاطعة قد توجد مسارا جديدا وهو ما يعني تعطيل المشاريع ااعسكرية وعسكرة المجتنعات القائمة واستبداله بنظام مصالح اقليمية.
هذا النظام قد يبدأ من الاقتصاد.
ثم ينتقل الى النقل والطاقة ثم الى الامن البحري و مكافحة الارهاب ثم الى ترتيبات سياسية.
وفي مرحلة لاحقة قد يصل الى مفهوم الامن الاقليمي المشترك.
وهذا هو السيناريو الذي يمكن ان يغير قواعد اللعبة.
لان التكامل لا يحتاج الى ان يكون موجها ضد اسرائيل وانما يكفي ان يكون مستقلا عنها.
من هنا يمكن فهم اهمية الوساطات الاقليمية الجديدة التي تقدمها تركيا وباكستان والسعودية والصين.
هذه القوى لا تريد بالضرورة بناء محور مضاد لامريكا او اسرائيل.
لكنها تريد تقليل الحاجة الى الحرب وكلما نجحت هذه الدول في حل النزاعات الاقليمية بصورة مستقلة تراجعت قدرة القوى الخارجية على استخدام الصراع كاداة لاعادة توزيع القوة.
وهذا يعني ان الوساطة نفسها قد تصبح اداة من ادوات اعادة بناء السيادة الاقليمية.
ولن يكون بطرد امريكا ولا بمواجهة اسرائيل وانما عبر جعل المنطقة اقل اعتمادا على الوسيط الخارجي.
إن الصراع الحقيقي في الشرق الاوسط لا يدور فقط حول فلسطين او ايران او البحر الاحمر فالصراع الاعم هو حول هندسة المجال الاقليمي.
لكني أثير إشكالية هي محل ما أشرت اليه من تحليل حول من سينجح في إعادة ترتيب مقاييس القوة؟
فاذا نجحت اسرائيل في منع هذا التركيب والتكامل الاقليمي ستبقى القوة المركزية في النظام الاقليمي واذا نجحت تركيا والسعودية ومصر في بناء شراكة استراتيجية مع تخفيف الصراع مع ايران واستقرار العراق وسوريا واليمن وليبيا فستظهر كتلة جديدة تستطيع فرض قواعد التفاوض الاستراتيجية .
واذا نجحت الصين في ربط هذه الكتلة اقتصاديا بمشاريع الطاقة والنقل والموانئ فان التحول سيكون اكبر من من صيغة التحالف السياسي.
اما اذا عادت ايران الى النظام الدولي من موقع قومي مستقل فقد تصبح عنصرا اضافيا في هذه المعادلة بدلا من ان تكون محورا للصراع أو تحولةايدلوجيتها من أداة للصراع إلى أداة لبناء السلام ثقافيا.
وهنا يمكن ان تنتقل المنطقة من نظام المحاور الى نظام الشبكات.
وهذا التحول هو الاكثر اهمية.
فالمحور يقسم المنطقة الى معسكرات اما الشبكة فتسمح للدولة الواحدة ان تكون مرتبطة باكثر من قوة في الوقت نفسه.
وهنا يمكن ان تكون السعودية مع امريكا امنيا ومع الصين اقتصاديا ومع تركيا استثماريا ومع ايران سياسيا ومع روسيا في الطاقة.
وتركيا مع الناتو ومع روسيا في الطاقة ومع الخليج في الاستثمار ومع اسيا في التجارة.
مصر مع الولايات المتحدة عسكريا وومع الخليج اقتصاديا ومع الصين تجاريا ومع اوروبا سياسيا.
هذه الشبكات تجعل السيطرة الخارجية على قوى أصعب بحيث تكون المرحلة الأولى نحو استقلال المنطقة استقلالا شاملا عن أي تدخلات خارجية تفرض سيادتها على الجغرافيا والنظم وشعوبها.
وهنا تحديدا يمكن ان تبدأ نهاية مرحلة الهيمنة الاحادية على الشرق الاوسط وبداية السيادة الإسلامية العربية واستقلاليتها بمعنى نهاية بقايا واثار الاستعمار الاقتصادي والمعرفي وبداية لتشكيل قوى معرفية تعيد ترتيب المنطقة ضمن محاور التأثير العالمي وتحررها من التجاذبات الدولية.
لكن هذا السيناريو ليس حتميا فهناك قوى ستستفيد من بقاء الانقسامات وهناك نخب محلية تعيش على الصراعات وتوجد ملفات حدودية غير محسومة صراعات مذهبية وقومية و مصالح اقتصادية مرتبطة بالحرب و تنافس دولي يجعل المنطقة ساحة مفتوحة للتدخلات.
لذلك فان بناء التكتل الاقليمي يحتاج الى إرادة أكثر من الرغبة السياسية و الى بنية تحتية للتكامل من الطرق الى سكك الحديد والموانئ وشبكات الكهرباء وانابيب الطاقة والاسواق المشتركة والمدفوعات المالية وصناعات دفاعية ومراكز ابحاث وترتيبات امن بحرية والاهم مؤسسات قادرة على ادارة الخلافات لان المشكلة ليست في غياب المصالح المشتركة.
وإنما في كون المنطقة تفتقر الى اليات تمنع الخلاف من التحول الى صراع ولهذا فان المعركة المقبلة قد تكون اقل وضوحا من الحروب السابقة
اما الولايات المتحدة فتواجه تحديات مختلفة وهي تشهد تراجعها في بين رغبة البقاء في الشرق الاوسط ولكنها لا تريد تحمل تكاليف ادارته .
وهو ما يجعلها تبحث عن حلفاء اقليميين قادرين على تحمل من العبء شريطة أن يكونو دا حلفاء لإسرائيل ومن هنا تأتي استراتيجية التطبيع .
وهنا تصبح اسرائيل اداة مهمة.
لكن الاعتماد المفرط على اسرائيل يحمل خطرا على واشنطن حاليا بسبب تعارض بعض أهدافهما.
وكلما توسعت الحروب الاسرائيلية زادت كلفة حماية القوات والممرات والاسواق
ولكنا ارتفعت المواجهة مع ايران زادت احتمالات تعطيل الطاقة.
وكلما توسع الصراع زادت فرصة الصين وروسيا في استثمار الفراغ السياسي.
لذلك قد تجد واشنطن نفسها في مرحلة ما مضطرة الى الحد من بعض الخيارات الاسرائيلي دفاعا عن النظام الامريكي ومصالحه.
وهذا هو التناقض الاستراتيجي الذي سيظهر بصورة اكبر خلال المرحلة المقبلة.
فاسرائيل تريد حرية اكبر في استخدام القوة وامريكا تريد نتائج استراتيجية يمكن التحكم بها و تنظر اسراىيل الى الخصم من زاوية التفوق الامني اما امريكا فتنظر اليه من زاوية الاقتصاد والطاقة والتحالفات الدولية.
وفد نجد ان اسرائيل تستطيع تحمل حروب طويلة اذا كانت نتائجها تخدم امنها اما امريكا فلا تستطيع تحمل حرب مفتوحة اذا ما هددت النظام العالمي.
ومن هنا لن يكون التحالف الامريكي الاسرائيلي خاليا من التوتر و كلما تغير الشرق الاوسط سيزداد هذا التوتر والمستقبل لن يكون بين اسرائيل والمنطقة فقط وانما سيكون بين ثلاث رؤى متنافسة.
اسرائيلية تريد الحفاظ على التفوق ومنع ظهور منافس اقليمي مركب و امريكية تريد الحفاظ على نظام امني واقتصادي مرتبط بواشنطن و اقليمية صاعدة تريد استعادة قدرة دول المنطقة على ادارة خلافاتها ومصالحها دون الاعتماد الكامل على القوى الخارجية.
وفي الخلفية توجد هندسة صينية روسية تحاول توسيع حضورها الاقتصادي والسياسي دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
هذه الرؤى قد تتصادم لكنها قد تتقاطع ايضا ولهذا فان المنطقة لن تتجه بالضرورة الى حروب شاملة وانما قد تتجه الى منافسة طويلة على شكل النظام.
ومن هنا تصبح كل دولة مهمة بقدر قدرتها على الارتباط بغيرها.
فاذا نجحت اسرائيل في ابقاء دول المنطقة متعطلة في ازماتها ومصالحها الوطنية دون شبكة مصالح مشتركة، فان التفوق الاسرائيلي سيظل يتحول
الى مركزية اقليمية.
لكن اذا حدث العكس ونجحت المنطقة في بناء شبكة مصالح عابرة للخلافات فان معادلة القوة ستتغير وهذا هو الاختبار الحقيقي وهنا يبدأ التغيير الحقيقي وهنا ايضا ينتهي منطق التفكيك.