ليست مشكلة الأمم أنها تفتقر إلى التاريخ، بل إنها كثيراً ما تملك تاريخاً طويلاً ثم تفشل في قراءته؛ تحفظ أسماء المعارك، وتبكي المدن الضائعة، وتتغنى بالأمجاد، لكنها تتجاهل السؤال الأهم: لماذا انتصرنا حين انتصرنا؟ ولماذا سقطنا حين سقطنا؟
إن الأمم التي تتعامل مع تاريخها بوصفه مادة للبكاء أو التفاخر، لا بوصفه مختبراً لفهم القوة والضعف، محكوم عليها بتكرار مآسيه بأسماء جديدة وأدوات أكثر تطوراً. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في الفتوحات الإسلامية، وانتشار الإسلام في أفريقيا، وسقوط الأندلس، وعلاقة ذلك بالواقع العربي المعاصر؛ بعيداً عن التبسيط العاطفي أو القراءة العدائية.
الإسلام لم ينتشر بطريقة واحدة
من أكثر الأخطاء شيوعاً التعامل مع انتشار الإسلام وكأنه جرى بآلية واحدة. ففي شمال أفريقيا كان الإسلام جزءاً من صراع سياسي وعسكري واسع مع إمبراطوريات قائمة كالإمبراطورية البيزنطية، حيث تحكمت المصالح الاستراتيجية ومنطق القوة السائد آنذاك.
أما في أعماق وسط وغرب أفريقيا، فكان المشهد مختلفاً؛ إذ لم تصل الجيوش ولم يكن السيف وسيلة، بل عبر الإسلام عبر القوافل التجارية، والتجار، والعلماء، والطرق الصوفية، والنخب الحاكمة التي رأت فيه منظومة معرفية وقانونية واقتصادية تبني الدولة.
هذه الحقيقة تهدم الروايتين المتطرفتين: تلك التي تختزل انتشار الإسلام في القوة العسكرية، والأخرى التي تنفي عن الفتوحات أي منطق سياسي. لقد امتلك الإسلام قدرة حضارية على التمدد بوسائل متعددة وفق الزمان والمكان: بالقوة حين تحكّم منطق الصراع، وبالتجارة والعلم والقدوة حين تفتحت الأسواق والعقول والقيم.
الفتوحات: لا قداسة تلغي السياسة
الحديث عن الفتوحات بوصفها حركة دينية مجردة لا علاقة لها بالسياسة والمصالح يصطدم بحقائق التاريخ. فالدولة التي خرجت من الجزيرة العربية دخلت عالماً تحكمه إمبراطوريتان عظيمتان: الفرس والبيزنطيون، في ظل نظام دولي لا يضمن الحدود؛ حيث القوة التي لا تحمي نفسها تتخطفها القوى الأخرى.
لذا كانت الفتوحات، في جانب منها، توسعاً سياسياً وعسكرياً تحركه اعتبارات الأمن والموارد وطرق التجارة وحماية الثغور. وهي حقيقة لا تنتقص من البعد الديني؛ فالدين قدّم منظومة القيم والهوية الجامعة، لكن الدولة احتاجت إلى الجيش والإدارة والاقتصاد. فلا توجد دولة بلا مصالح، ولا حضارة بلا قوة تحميها، وهي قاعدة ينبغي للعقل العربي المعاصر فهمها قبل محاكمة التاريخ بأدوات أخلاقية انتقائية.
الأندلس: الفردوس الذي أخطأنا قراءته
ربما لا توجد تجربة أثارت العاطفة كالأندلس. بكينا غرناطة وقرطبة كثيراً، لكننا لم نتعلم منها؛ إذ تحولت في الوعي العربي إلى "فردوس مفقود"، بينما بقي السؤال الحقيقي مؤجلاً: كيف ضاع هذا الفردوس؟
لم تسقط الأندلس لفقر في جمال عمارة أو شعر، بل لسقوط القوة السياسية والعسكرية التي تحمي حضارتها. التشرذم، وصراعات ملوك الطوائف، وتقديم المصالح الفئوية، والاستعانة بالخصوم؛ كل ذلك عبّد الطريق للسقوط، في وقت كان الخصم في الشمال الأوروبي يعيد تنظيم قوته. وهنا تكمن الحقيقة القاسية: قد تشغلك خلافاتك الداخلية، بينما ينشغل خصمك ببناء القوة التي تنهي خلافاتك دفعة واحدة. والأنكأ أن القراءات الحديثة ما زالت تتعامل مع الأندلس كمادة للحنين لا كإنذار تاريخي.
هل نعيش ملامح عصر طوائف جديد؟
إن العالم العربي اليوم يعيش انقساماً عميقاً، وتناقضاً بين المحاور، وارتهاناً أمنياً وتكنولوجياً للخارج، في حين يتسع الفارق في إنتاج المعرفة والسلاح. والنتيجة واضحة: أمة تستهلك ما لا تنتج وتستورد أمنها، ستظل في موقع الدفاع مهما بلغت مواردها أو ذكرياتها.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود التهديد الخارجي فحسب، بل في هشاشة الداخل التي تجعل هذا التهديد نافذاً من كل باب. فالخطر الوجودي لا يعني فقط الإبادة المباشرة، بل يأتيك في صورة تفتيت طويل للدولة والمجتمع والهوية، حتى تستيقظ الأمة لتكتشف أن ما فقدته لا يمكن استعادته بسهولة.
لا خلاص في انتظار الآخرين
من أخطر الأمراض السياسية تعليق المصير على الخارج؛ سواء بانتظار قوة صاعدة، أو تغير إدارة دولية، أو رهان على تحالفات إقليمية. فالأمم لا تستعيد مكانتها بانتظار الآخرين، وإذا لم تمتلك اقتصاداً ومعرفة وتماسكاً داخلياً، فإن تغير العالم من حولها لن يعني سوى انتقال التبعية من قوة إلى أخرى. فالسياسة الدولية لا تعرف الفراغ، والضعيف الذي لا يبني قوته سيجد دائماً من يقدم له الحماية بمقابل.
من الانفعال إلى الفعل
الخروج من هذه الحالة يتطلب تحولاً من عقلية الانفعال إلى الفعل عبر أربع خطوات:
وعي استراتيجي: يتعامل مع العالم وفق واقع المصالح والقوة لا النوايا الحسنة.
استقلال اقتصادي وتكنولوجي: فلا سيادة سياسية لمن لا ينتج غذاءه ودواءه وسلاحه.
جبهة داخلية متماسكة: فكل صراع مذهبي أو طائفي هو ثغرة ودعوة مفتوحة لتدخل الخارج.
خطاب حضاري جديد: يقدم الإسلام والعروبة كطاقة قادرة على الإسهام الحضاري وبناء المعرفة، لا كهوية خائفة في حالة دفاع دائم.
التاريخ لا يرحم المتفرجين
إن أخطر ما تفعله أمة بتاريخها هو تحويله إلى مخدر. الأندلس تجربة يجب أن نفهمها، والفتوحات درس في العلاقة بين العقيدة والقوة، وانتشار الإسلام شاهد على مرونة حضارية وتفاعل واِستجابة.
واليوم، يكمن الخطر في الاستقالة الحضارية التي تعطل تحويل القدرات إلى قوة مؤثرة. لقد سقطت الأندلس حين تقدمت المصالح الضيقة على الخطر الكبير، واليوم لم يعد الخيار بين الحنين للماضي أو القطيعة معه، بل بين قراءته بعين واعية أو تكرار أخطائه.
فالأمم لا يحميها البكاء على الأطلال ولا الشعارات، وحدها، بل المعرفة، والقوة، والعدالة، والتماسك، وإنتاج أدوات العصر هي ما يضمن حق البقاء.