آخر تحديث :السبت-29 أغسطس 2026-07:56ص

حياتنا في عدن.. دمار وحرب وإبادة معيشية بلا توقف ولا حلول

الجمعة - 28 أغسطس 2026 - الساعة 07:17 م
علي عمر الهيج


تقوم من النوم، تخرج من المنزل تتابع راتبك الفتات، ثم تسمع الناس يقولون: أمس الحوثي قصف الحديدة وتعز وسقط كثير من القتلى.

تطلع باص وتشوف عساكر وهوامير في الشاصات، وبلاطجة رايحين يتغدوا في أفخم المطاعم، ثم تشاهد مليونيات ومهرجانات ومسيرات يقولوا: بكرة الانتقالي راجع بقووووة، والجنوب العربي قادم.

تنزل من الباص وتشوف أمامك طواااااابير سيارات ومواطنين ونساء يشتوا غاز الطبخ، وزحام وشتات وأناس مرهقين.

تمشي شوي فيحرقك الحر وتتبلل عرقًا، ثم تقف أمام ركن أبو الليم تشرب كوبًا باردًا لتهدئة النيران التي بداخلك.

فتتفاجأ بطفل يسحبك من سروالك ويقول لك: أنا جيعان. ومن الجهة الثانية تلمسك حرمة كبيرة بالسن وتقول لك: يا ابني، إني والله بلا قراع. وعلى يمينك بنت شابة تقول لك: يا عم، أعطني مائتين ريال، إني تعبانة.

فتجد نفسك وسط كوم من الناس الجائعين، فلا تعرف كيف تتصرف.

أنت أصلًا خرجت تتابع راتب فتات، والمعيشة نار نار، ولا يوجد بجيبك غير مبلغ صغير يكفي للمواصلات.

تمشي شارد الذهن، إلا وجوالك يرن. اتصال من البيت: ألو ألو، جزع معك غدًا الغاز كمل. ثم تقف بالركن تبترع وتغني:

يا ساري سرى الليل..

على امسيري على امسيري..


تفتش جيبك، باقي ألفين ريال، فتشتري واحد رطب وحلبة، ثم تجلس مفلسًا منتظرًا للمواصلات، وتشوف واحد معه جاري وتقول له: ممكن تأخذنا معك؟ ويبتسم قائلًا: عيوني. فتطلع فوق الجاري وتبدأ رحلة العودة.

وفي طريقك تشاهد شباب أورومو وأفارقة وصومال ونازحين يفترشون الطرق، ونازحين من كل مكان، ونساء وأطفال وبنات شابات. فهذا طفل يمسح السيارات وسط الطريق، وتلك طفلة تجري عند بعض المارة تستجديهم مساعدة، ومتقاعدون خدموا البلد ستين عامًا يتساقطون بالطرقات ويقفون على أبواب البريد والبنوك منتظرين راتب ثلاثين ألف ريال.

جوع وغلاء يطحن الناس، وشتات وانهيارات معيشية وفوضى عارمة.

وحينها تتأكد أن ذلك السقوط الشامل والكامل، والإبادة المعيشية التي يتعرض لها الناس، لم يأتِ اعتباطًا، بل تم بعناية لتدمير وتحطيم وتكسير واستباحة مدينة كانت الأولى بالنظام والاستقرار، ولزامًا تعطيلها وتعطيل الحياة فيها نهائيًا.

وأول ما توصل الحافة تشوف صاحب البقالة معه عصا، وصاحب الإيجار معه مطرقة، وصاحب الخضرة معه منشار، يعني حرب جبهات.

تقوم تفححححط جررري للبيت من الحافة الثانية، وتخرج من الطاقة وتقول لهم: يا جماعة، قالوا ما في راتب، أول ما أستلم وأنا عندكم.

يقولون لك: هيأ طيب، منتظرينك، أو استعد للحرب…

تدخل البيت، تأكل واحد رغيف وماء، وتدق أبوها نومة، وقلق وأرق، وهات يا كوابيس وصياح واختناق.

حياتنا في عدن دمار وحرب وإبادة معيشية بلا توقف ولا حلول.