قد لا تكون مشكلتنا أننا لا نعرف كيف نبني، وانما لا نعرف كيف نحافظ على ما بنيناه.
وهذه، في تقديري، واحدة من أكثر المشكلات التي تستحق أن نتوقف أمامها في عدن وبقية المحافظات؛ لأننا كثيرًا ما نتعامل مع البناء باعتباره إنجاز مكتمل بينما نعامل الصيانة وكأنها تفصيل مؤجل يمكن العودة إليه عندما تتعطل الأشياء أو تبدأ في الانهيار.
نبني عمارة أو مؤسسة ثم نؤجل إصلاح تسرب صغير في المياه. نشتري محطة كهرباء جديدة، ثم ننتظر تعطلها حتى نبحث عن صيانتها نفتتح حديقة.ثم نتركها بلا رعاية حتى تجف. نؤسس مشروع ونحتفي بانطلاقته ثم نسمح لتفاصيله الصغيرة بالتآكل يوما بعد آخر، إلى أن يصبح إصلاحه أصعب وأكثر كلفة.
والأغرب أن المسألة لا تتعلق دائما بنقص المال، بقدر ما تتعلق بطريقة تفكير تنظر إلى الصيانة باعتبارها عمل ثانوي يمكن تأجيله. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فالشق الصغير في السقف لا يبدو خطر في بدايته، لكن إهماله يحوله إلى تسرب، والتسرب إلى رطوبة والرطوبة إلى جدار متآكل، ثم يأتي وقت نقول فيه إن المبنى يحتاج إلى إعادة بناء. المشكلة أن ما نسميه لاحقا انهيار مفاجئ يكون في كثير من الأحيان نتيجة أعطال صغيرة كانت أمام أعيننا، لكننا لم نمنحها الاهتمام في الوقت المناسب.
وهذه العقلية لا تخص البيوت والمباني وحدها، بل تمتد إلى مؤسساتنا وخدماتنا وطرقنا ومدارسنا ومرافقنا العامة. نميل إلى التحرك بعد وقوع المشكلة، لا قبل وقوعها. إذا تعطلت المؤسسة بدأنا في التفكير فيها، وإذا ساءت الخدمة تحركنا، وإذا امتلأ الطريق بالحفر أصلحناه، وإذا أصبحت المدرسة بحاجة إلى التأهيل اكتشفنا حاجتها.
أما أن نراقب الأشياء وهي تعمل، ونبحث عن الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة، فهذه ثقافة ما زالت بحاجة إلى أن تجد مكانها في طريقة إدارتنا للحياة والمرافق العامة.
نحتاج إلى ثقافة جديدة لا تسأل فقط: من بنى هذا وإنما تسأل أيضًا: «من حافظ عليه..
قد يكون السؤال الثاني أهم أحيانا من الأول.
فالبناء قد يحدث في لحظة حماس، وقد ينتهي خلال فترة محددة، لكن المحافظة تحتاج إلى عمل يومي لا يتوقف. شخص يفحص، وآخر ينظف وثالث يسجل، ورابع يستبدل القطعة الصغيرة قبل أن تتعطل الآلة بأكملها.
وهذه الأعمال لا تصنع نجوم ولا تمنح أصحابها بالضرورة شهرة أو تصفيق لكنها تمنع أزمات كثيرة من الوصول إلى مرحلة الانهيار.
وهنا تظهر قيمة الإنسان الذي يرى الخلل وهو لا يزال صغير..
تسريب ماء، سلك تالف، ملف ضائع، كتاب لم يعد إلى مكانه، جهاز أُهملت صيانته، أو قاعدة لم يعد أحد يلتزم بها؛ قد تبدو كلها تفاصيل بسيطة، لكن المشكلات الكبيرة كثيرا ما تبدأ من تفاصيل صغيرة لم تجد من يلتفت إليها.
المشكلة أن الأشياء لا تنهار عادة في اللحظة التي نكتشف فيها انهيارها. إنها تبدأ في التآكل قبل ذلك بكثير.
وما يبدو لنا انهيار مفاجئ، قد يكون في الحقيقة نتيجة سنوات من الإهمال المتراكم.
ربما تكمن مشكلتنا الأساسية في أننا لا نلتفت إلى الشيء إلا عندما يصبح تجاهله مستحيلا
حين يكون الخلل صغيرا لا أحد يكترث. وحين يتضخم، يصبح إصلاحه مكلفًا. وحين يتحول إلى أزمة، يبدأ البحث عن حلول عاجلة.
وهكذا ندخل في دائرة مرهقة إهمال، ثم تفاقم، ثم أزمة، ثم إنفاق أكبر، ثم إصلاح، ثم عودة إلى الإهمال.
في المقابل، هناك أشخاص يعملون بصمت، لا يظهرون في الأخبار ولا تُلتقط لهم الصور، لكنهم يمنعون الانهيارات قبل وقوعها. هؤلاء قد لا يكونون أصحاب قرار أو شهرة، إلا أن عملهم يحفظ جزءا من الحياة اليومية من التعطل.
وهذا النوع من العمل يحتاج إلى تقدير اجتماعي وإداري أكبر؛ لأن المجتمع الذي يستهين بالأعمال الصغيرة التي تحافظ على تماسك حياته، سيدفع لاحقًا أثمانًا باهظة لإصلاح ما كان يمكن تفاديه بكلفة وجهد أقل.
أعتقد أن عدن، وهي المدينة التي تتراكم فيها الاحتياجات والتحديات، بحاجة إلى أن تتعلم قيمة تبدو بسيطة، لكنها في جوهرها قيمة حضارية عميقة: لسنا بحاجة إلى أن نبدأ من جديد في كل شيء.
كثير مما نحتاج إليه قد يكون موجودًا بالفعل، لكنه يحتاج إلى عناية، وإصلاح، وإدارة مستمرة.
نحتاج إلى أن نصلح ما تصدع قبل أن ينهار، وأن نحافظ على المكتسبات قبل أن نفقدها، وأن ندرك أن حماية ما لدينا قد تكون في بعض الأحيان أكثر أهمية من إضافة شيء جديد إليه.
فأعظم الأعمال ليست دائمًا تلك التي يراها الناس.
أحيانا يكون أعظم إنجاز هو أن يستمر المرفق في العمل دون أن يشعر أحد بمدى الجهد الذي بُذل كي لا يتوقف.
وهذه هي مفارقة الصيانة الجميلة: أن نجاحها الكامل يكمن في ألا يلاحظها أحد.
فحين يستمر الشارع دون حفر، وتبقى المدرسة آمنة، وتعمل المحطة بكفاءة، وتحفظ الوثيقة من الضياع، ويستمر المرفق في أداء وظيفته بسلاسة، يبدو كل شيء طبيعيا.
لكن وراء هذا «الطبيعي» أشخاصا يراقبون، ويصلحون، وينظفون، ويسجلون، ويتابعون، ويتدخلون قبل أن تكبر المشكلة.
ربما آن الأوان لأن نحتفي بهؤلاء، وأن نعيد تعريف الإنجاز نفسه.
فليس كل ما يُبنى إنجازا، وليس كل ما لا يُرى عملا بلا قيمة. أحيانا يكون أعظم ما يمكن أن نفعله هو أن نحافظ على ما بنيناه، حتى لا نضطر غدا إلى بنائه من جديد...