في عدن من تضيق به الحقيقة يفتح لك ألف حكاية وحكاية ! يقال له بلاش لف ودوران وفهلوة
والفهلوي يستخدم ذكاءه في الاتجاه الخطأ!
تسأله عن قضية، يجيبك بقضية ثانية. تحاصره بسؤال واضح، يقفز بك إلى موضوع ثالث. تذكر له خطأ، يذكرك بخطأ غيره. تقول له: أين الحقيقة؟ يقول لك: وأنت من تكون؟!
وهكذا يأخذك في جولة طويلة من «الفهلوة»، حتى تنسى أنت أصلا لماذا بدأت الحديث معه!
وهنا نسأل أصحابنا بكل هدوء، وبلا زعل:
أين الجحافي؟
ولا نسيتوه؟
أم أنكم تراهنون على أن الناس تنسى مع كثرة الكلام والضجيج وفتح الملفات الجانبية؟
يا جماعة الخير، الناس ليست بهذا الغباء!
كلما خرج شخص ينتقدكم، بدلا من أن تناقشوا ما قاله، تبدأ حفلة التفتيش في دفاتره: هذا أصله من أين؟ وأبوه من أين؟ وأمه من أين؟ وماذا قال قبل عشرين سنة؟ ومن كان معه؟ ومن أصبح ضده؟
طيب يا إخوان... ناقشوا الكلام!
إذا كان الرجل مخطئا، قولوا له: أنت مخطئ، وهذه هي حجتنا.
أما «البحث عن أصله وفصله» وفتشت في حياته كلها، فهذا لا يرد على السؤال، بل يؤكد أن السؤال وجعكم!
والبشر، يا سادة، يخطئون.
ولا توجد جماعة سياسية، ولا قيادة، ولا مسؤول، ولا حتى «أبو العريف» الذي يعتقد أنه لا يخطئ، فوق النقد.
النقد ليس عداء للجنوب، ولا خيانة، ولا استهدافا للمشروع، ولا مؤامرة كونية.
النقد يعني أن هناك شخصا يقول لكم: هنا أخطأتم.
خذوا الكلام، ناقشوه، ارفضوه إن كان خاطئا، لكن لا تحولوا صاحب الرأي إلى عدو يجب سحقه إعلاميا.
ونحن حين نتحدث عن العدالة الانتقالية، لا نتحدث عن «تصفير العداد» ومسح الذاكرة بضغطة زر.
العدالة الانتقالية تبدأ من الحقيقة.
تعترف بالضحايا، تكشف ما حدث، تحدد المسؤوليات، تنصف المظلوم، وتقول بوضوح: لن نكرر هذا مرة أخرى.
هذه هي الصفحة الجديدة التي يمكن للضحايا أن يقبلوها.
أما أن تقول لي: تعال نفتح صفحة جديدة، بينما الصفحة القديمة مليئة بالمفقودين والمختطفين والاغتيالات والسجون السرية والأسئلة التي لم تجد جوابا، فهذا ليس فتح صفحة جديدة.
هذا اسمه دفن الكتاب كله تحت السرير!
ولهذا نسأل:
أين الجحافي؟
وأين عشال؟
وأين الذين اختطفوا من الشوارع ثم اختفت أخبارهم؟
وأين السجون السرية؟
وأين ملفات الاغتيالات التي لا تزال غامضة؟
ومن الذي أصدر الأوامر؟
ومن الذي نفذ؟
ومن الذي أخفى الحقيقة؟
ومن الذي يريد اليوم أن يضع كل ذلك في «سلة المهملات» ثم يقول للناس: خلاص، لا تفتحوا الماضي!
يا حبيبي... الماضي لا يختفي لأنك قلت للناس «خلاص».
والدم لا يتحول إلى ماء بمجرد أن تتغير التحالفات والعلاقات السياسية.
والمشكلة أن بعض «الفهلوية» عندنا عندهم قدرة عجيبة على تبديل المواقف والعلاقات، ثم يريدون منك أن تتعامل مع النسخة الجديدة وكأن النسخة القديمة لم تكن موجودة أصلا!
أمس شيء، واليوم شيء، وغدا الله أعلم!
لكن عندما تسأله عن القضية الأصلية، يبدأ معك في محاضرة طويلة عن المؤامرات والاستهداف والأعداء والمتربصين.
يا فهلوي... نحن لم نسألك عن كل هذا!
سألناك سؤالا واحدا:
أين الجحافي؟
وإذا لم تعرف الإجابة، قل: لا أعرف.
وإذا أخطأنا في السؤال، صحح لنا.
وإذا كنت مسؤولا عن شيء، اعترف.
فالاعتراف بالخطأ ليس عيبا، وإنما العيب أن تعرف أنك أخطأت ثم تستمر في المكابرة، وتهاجم كل من يذكرك بخطئك.
أما تحويل كل ناقد إلى خصم، وكل سؤال إلى مؤامرة، وكل ضحية إلى ملف مزعج يجب إخفاؤه، فهذه ليست سياسة.
هذه فهلوة... والفهلوي مهما طال به الدور، لا يستطيع أن يهرب من الحقيقة إلى الأبد.
لأن الناس في عدن قد تسكت، وقد تجامل، وقد تقول «خليها على الله»...
لكنها لا تنسى.
والسؤال الذي تحاولون دفنه اليوم، سيعود غدا أكبر منكم:
أين الجحافي؟
وبالمناسبة... لا تحاولوا تغيير الموضوع!
هذه المرة بالذات، خلونا في السؤال الأول، وبلاش فهلوة.
احمد حميدان