هناك شعوب عندما تسقط دولها تبدأ في البحث عن من يعيد بناء الدولة، وهناك شعوبٌ تنشغل طويلاً بالسؤال: من المنتصر؟ ومن الخاسر؟ ومن صاحب الحق في المنصب؟
والفرق بين الاثنين كبير.
فالوطن لا يُبنى بالشعارات، ولا بكثرة البيانات، ولا بتوزيع المناصب، ولا برفع صور المسؤولين.
الوطن يُبنى عندما تتحول الإرادة السياسية إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى خدمات، والخدمات إلى حياة أفضل للمواطن.
ولعل التجربة السورية الجديدة تقدم لأهل اليمن درساً يستحق التأمل، رغم اختلاف الظروف بين البلدين واختلاف التاريخ والجغرافيا والتحديات.
منذ تولي أحمد الشرع قيادة المرحلة الجديدة في سوريا، ظهر فريق من الشخصيات في مواقع أساسية؛ أسعد الشيباني في الخارجية، ومرهف أبو قصرة في الدفاع، وأنس خطاب في الداخلية والأمن.
ما يلفت النظر ليس الأسماء وحدها، وإنما محاولة توزيع المسؤوليات على ملفات واضحة: السياسة الخارجية، الدفاع، الأمن، وإدارة الدولة.
فأسعد الشيباني يتحرك في المجال الدبلوماسي لبناء علاقات سورية جديدة مع المحيط والعالم، وظهر ذلك في لقاءات واتصالات إقليمية ودولية،
ومرهف أبو قصرة أصبح مسؤولاً عن ملف الدفاع وبناء المؤسسة العسكرية، وهو ملف شديد الحساسية في دولة خارجة من حرب وصراع مسلح، حيث يكون التحدي الحقيقي هو الانتقال من تعدد القوى إلى مؤسسة دولة واحدة.
أما أنس خطاب، فقد ارتبط اسمه بملف الأمن والداخلية، مع توجه نحو إعادة تنظيم الأجهزة المدنية والأمنية وتطوير الخدمات المرتبطة بالمواطن. وفي 2026 ظهرت اجتماعات رسمية لمناقشة تطوير الأداء وتحسين الخدمات ومشروعات مثل البطاقة الشخصية الجديدة.
وهنا السؤال الذي يجب أن يطرحه اليمنيون على أنفسهم:
ماذا نريد نحن؟
هل نريد دولة تُبنى على الأشخاص، أم دولة تُبنى على المؤسسات؟
هل نريد أن يكون معيار التعيين هو الولاء، أم الكفاءة؟
هل نريد مسؤولاً يملك مئات المسلحين، أم مسؤولاً يملك خطة واضحة لبناء مؤسسة؟
هل نجاح المسؤول عندنا يُقاس بعدد السيارات والحراسات والمرافقين، أم بعدد المدارس والمستشفيات والطرقات والمشاريع التي تحسنت بسبب عمله؟
اليمن لا ينقصه الرجال
اليمن ليس فقيراً بالرجال والكفاءات.
لدينا أطباء ومهندسون وأكاديميون وعسكريون وإداريون ورجال أعمال وشباب قادرون على بناء دولة حديثة.
لكن المشكلة أن كثيراً من هذه الطاقات بقيت خارج دائرة القرار، بينما أصبح معيار القرب من السلطة في أحيان كثيرة أهم من معيار الكفاءة.
وهنا تبدأ الكارثة.
عندما يصبح الولاء بديلاً عن الكفاءة، تتحول الدولة إلى شبكة مصالح.
وعندما تتحول المناصب إلى مكافآت، تتراجع المؤسسات.
وعندما يغيب التخطيط، تصبح الحكومة مشغولة بإدارة الأزمات بدلاً من صناعة المستقبل.
كيف نبني اليمن؟
بناء الوطن يحتاج إلى مشروع واضح، ويمكن أن يبدأ من سبع قواعد:
أولاً: بناء مؤسسات الدولة.
لا نريد عشرات الأجهزة التي تتداخل صلاحياتها، ولا سلطات متعددة داخل السلطة.
نريد دولة يكون فيها الجيش جيشاً وطنياً، والأمن جهازاً مهنياً، والقضاء مستقلاً، والوظيفة العامة قائمة على الكفاءة.
ثانياً: اختيار الرجل المناسب في المكان المناسب.
ليس عيباً أن يكون المسؤول شاباً، وليس شرطاً أن يكون من أصحاب النفوذ.
المعيار هو: ماذا يستطيع أن يقدم؟
ثالثاً: تحويل السلطة إلى خدمة.
المواطن لا يريد خطباً سياسية طويلة.
يريد كهرباء.
يريد ماءً.
يريد مستشفى يعمل.
يريد مدرسة جيدة.
يريد طريقاً آمناً.
يريد وظيفة وفرصة للعيش بكرامة.
هذه هي الدولة في نظر المواطن.
رابعاً: الاستثمار في الإنسان.
الدولة التي تريد أن تنهض لا تبدأ دائماً بالإسمنت والحديد؛ تبدأ بالإنسان.
طبيب جيد، مهندس جيد، معلم جيد، ضابط محترف، مدير كفؤ، وقاضٍ مستقل؛ هؤلاء أهم من عشرات المباني الفارغة.
خامساً: محاربة الفساد دون انتقائية.
لا يمكن أن نبني دولة حديثة بينما يصبح المال العام غنيمة.
يجب أن تكون هناك رقابة ومحاسبة وشفافية، وأن يعرف المواطن أين تذهب أموال الدولة.
سادساً: إعطاء المحافظات والمديريات حقها من التنمية.
ليس من المنطقي أن تتركز التنمية في العاصمة بينما تبقى المديريات بلا مستشفيات وطرق ومياه وكهرباء.
الدولة القوية تصل إلى المواطن في قريته ومديريته، لا أن تطلب منه دائماً الوصول إليها.
سابعاً: وضع مشروع وطني يتجاوز الأشخاص.
الأشخاص يذهبون، لكن الدولة تبقى.
لا ينبغي أن يكون مستقبل اليمن مرتبطاً بشخص أو حزب أو جماعة أو قبيلة أو منطقة.
اليمن أكبر من الجميع.
ماذا نتعلم من سوريا؟
ليس المطلوب أن نقلد سوريا في كل شيء، فلكل بلد ظروفه وتاريخه وتعقيداته.
لكن يمكن أن نتعلم منها شيئاً مهماً:
بعد الصراعات الطويلة، لا يكفي تغيير القيادة؛ يجب أن يبدأ العمل على إعادة تشكيل مؤسسات الدولة.
وهذا ما يجعل تجربة أحمد الشرع وفريقه في ملفات الخارجية والدفاع والأمن جديرة بالمراقبة والدراسة، مع ضرورة الحكم عليها بموضوعية وفق النتائج الفعلية على الأرض، وليس وفق الدعاية أو الخصومة السياسية.
والدرس الأهم لليمن هو:
لا تنتظروا قائداً خارقاً ينقذ البلاد. ابنوا نظاماً يستطيع أن يعمل حتى بعد رحيل القائد.
إلى أهل اليمن
يا أهل اليمن...
لقد أتعبتنا الحروب.
وأتعبتنا الخصومات.
وأتعبنا انتظار الحلول من الخارج.
آن الأوان أن نطرح سؤالاً مختلفاً:
كيف نبني اليمن؟
بدلاً من:
من يحكم اليمن؟
كيف نعيد التعليم؟
كيف نعيد الصحة؟
كيف نصلح الكهرباء؟
كيف نبني اقتصاداً منتجاً؟
كيف نوحد مؤسسات الدولة؟
كيف نعطي الشباب فرصة؟
كيف نحمي المال العام؟
كيف نجعل المواطن يشعر أن الدولة موجودة لخدمته؟
هذه هي الأسئلة التي تصنع المستقبل.
إن الوطن لا يُبنى في يوم واحد، ولا بقرار واحد، ولا بشخص واحد.
لكنه يبدأ عندما تتفق النخب والشعوب على قاعدة بسيطة:
الدولة أولاً، والمؤسسة أولاً، والمواطن أولاً.
وإذا استطاع اليمنيون أن يحولوا هذه الكلمات إلى مشروع عمل حقيقي، فإن اليمن الذي أنهكته الصراعات يستطيع أن يصبح من جديد بلداً قوياً، مستقراً، ومؤثراً.
فالأوطان لا تموت بسبب الحروب فقط...
الأوطان تموت عندما يفقد أبناؤها القدرة على الحلم ببنائها.
واليمن ما زال يستطيع أن يحلم.