في نهاية أحد المشاريع وقف مدير المشروع أمام فريقه، فتح التقرير الأخير، ثم ابتسم.
كان كل شيء يبدو ممتازًا.
أُنجز المشروع في موعده، ولم تتجاوز الميزانية ما خُصص لها، وتحققت معظم الأهداف.
قال المدير بثقة:
- نجحنا!
صفق الجميع...
إلا رجلًا واحدًا.
كان يجلس في الطرف الآخر من القاعة، صامتًا، وكأنه ترك شيئًا من كلامه خارج الباب.
بعد الاجتماع، اقترب منه المدير وسأله:
- ما بك؟ ألم ننجح؟
ابتسم الرجل وقال:
- بلى... المشروع نجح. لكنني لا أشعر أنني أستطيع أن أبدأ مشروعًا آخر بالطريقة نفسها.
ثم سأله: "أتدري ما حال الفريق؟!"
كان سؤالًا صغيرًا، لكنه جعل المدير يعيد قراءة التقرير كله، ويعيد التفكير في جوانب المشروع كلها.
لقد كان يعرف كل شيء تقريبًا عن المشروع، لكنه لم يكن يعرف لماذا أصبح أحد أفضل موظفيه صامتًا، ولماذا صار آخر يحضر الاجتماعات ولا يتحدث، ولماذا بدأ ثالث يغادر مبكرًا كلما انتهى الاجتماع، ولماذا لم يعد أحد يجرؤ على إخباره بأن بعض الأشياء لا تسير كما ينبغي.
عندها اكتشف شيئًا لم يكن يظهر في لوحة المتابعة:
كان المشروع يتقدم... والفريق يتراجع.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد ينظر إلى نجاح المشروع من خلال لوحة واحدة.
أصبح لديه لوحتان.
الأولى تقول:
الوقت والتكلفة والجودة ونطاق العمل والمخاطر ونسبة الإنجاز.
والثانية تسأل عن أشياء لا تظهر بسهولة في الأرقام والجداول:
هل يثق الفريق ببعضه؟
هل يعرف كل شخص لماذا يفعل ما يفعل؟
هل يستطيع أن يقول: "هناك مشكلة" دون خوف؟
هل يتعلم؟
هل ينمو؟
هل يشعر أن جهده له معنى؟
وهل سيخرج من المشروع أقوى مما دخل إليه؟
وذلك لأنه عرف أنه:
قد ينجح المشروع... ولا ينجح الفريق.
ومن هذه الحكاية الصغيرة يمكن أن نقترب من حكاية أكبر في شبوة، وربما في اليمن كله.
فشبوة أمام حراك سياسي ومجتمعي مهم، وفي مقدمة ذلك مشروع مجلس شبوة الوطني العام، ومشروع مؤتمر شبوة الشامل، إلى جانب مبادرات وأطر سياسية ومجتمعية أخرى.
ولا أظن أن السؤال الأهم هو:
هل نريد لهذه المشاريع أن تنجح؟
بالطبع نريد.
السؤال الأهم:
كيف نريد لها أن تنجح؟
لأن نجاح أي مشروع يدّعي الشمول لا يقاس فقط بانعقاد جلساته، أو اكتمال هيكله، أو صدور وثيقته.
هناك لوحة أخرى لا تظهر في التقرير بسهولة:
هل شعر أبناء شبوة أنهم شركاء؟
هل وجدت الأحزاب والمكونات والقوى والشخصيات الاجتماعية والأكاديمية والشبابية والنسوية وغيرها مساحة حقيقية لصوتها؟
هل شعر من اختلف في الرأي أنه ما زال جزءًا من الحكاية؟
وهل ستخرج شبوة من التجربة أكثر تماسكًا واتساعًا للجميع؟
وهنا لا نتحدث عن إفشال مشروع، ولا عن مواجهة مشروع بمشروع.
بل عن شيء أهم: كيف نجعل كل مشروع يضيف إلى شبوة بدل أن يزيد مسافةً جديدة بين أبنائها؟
فشبوة ليست صوتًا واحداً وهذا ليس عيباً فيها؛ فتنوعها ثروة، لا مشكلة.
المشكلة تبدأ عندما يتحول التنوع من مصدر قوة إلى سبب للتنافس على من يتحدث باسم الجميع.
وقد يختلف أبناء شبوة في الوسيلة، وفي الأولويات، وفي قراءة المشهد...
لكنهم يستطيعون أن يتفقوا على شيء أكبر:
أن تكون شبوة أفضل.
وهنا تأتي القيادة.
ليس المطلوب أن يحب الجميع الخطة نفسها، ولا حتى أن يتفقوا على القهوة نفسها!
المطلوب أن يعرف الجميع إلى أين نمضي، ولماذا نمضي، وكيف نصل دون أن نترك بعضنا على قارعة الطريق.
فالقيادة التي تسمع فقط من يوافقها قد تحصل على اجتماع هادئ...
لكنها قد تستيقظ على مشكلة لم يخبرها أحد بها.
أما القيادة الواثقة، فتستطيع أن تسأل ببساطة:
من لم نسمعه بعد؟
وهذا السؤال ليس ضعفًا.
إنه أحد أشكال القوة.
فمن يطلب توسيع المشاركة ليس بالضرورة باحثًا عن مقعد، ومن يطرح ملاحظة صعبة ليس بالضرورة راغبًا في إفشال المشروع.
أحياناً يكون الإنسان أكثر حرصًا على نجاح الفكرة عندما يقول:
انتبهوا... هناك من لم يجد نفسه فيها بعد.
ومن هنا، أعتقد أن أحد الحلول العملية الجديرة بالنقاش في شبوة هو إنشاء مجلس تنسيق توافقي، تقوم فكرته على جمع مختلف الأحزاب والمكونات والقوى السياسية والاجتماعية والشخصيات الوطنية، ضمن إطار تشاوري منظم، لا يلغي أحدًا ولا يحل محل أحد.
مجلس لا يكون نسخة أخرى من أي كيان قائم، ولا منافسًا لآخر، ولا بديلًا عن السلطة المحلية أو مؤسسات الدولة.
بل يكون مساحة أوسع للتشاور والتنسيق واستيعاب التعدد.
فقد يكون أحد هذه الأطر أو الكيانات محطة مهمة...
لكن شبوة تحتاج إلى آلية مستمرة للحوار بعد المحطة.
وقد ينتج أي من هذه الأطر، بما فيها المؤتمر الشامل، ومجلس شبوة الوطني العام، واللقاء التشاوري للأحزاب والمكونات السياسية...وغيرها، رؤيةً أو وثيقةً أو مخرجات ...
لكن مجلس التنسيق التوافقي يمكن أن يساعد على استمرار التواصل بين الأطر والمكونات، وتقريب المواقف، وقراءة المستجدات ومعالجة نقاط الاختلاف قبل أن تتحول إلى أزمات.
وبذلك لا نضع مشروعًا في مواجهة مشروع.
بل نجعل الأطر المختلفة تكمل بعضها بعضاً.
وهنا تحديدًا تصبح الفكرة أكثر ذكاءً إذا بدأت من لجنة تحضيرية توافقية لا تبدأ بتوزيع المقاعد، وإنما تبدأ بتصميم القواعد.
من يمثل؟
كيف يمثل؟
ما معايير التمثيل؟
كيف نضمن التوازن؟
ما اختصاص المجلس؟
ما علاقته بالسلطة المحلية؟
ما علاقته بالأحزاب والمكونات والمجتمع؟
كيف تُتخذ قراراته؟
وكيف نضمن ألا يتحول هو نفسه، مع مرور الوقت، إلى مساحة جديدة للهيمنة أو الإقصاء؟
هذه ليست تفاصيل إدارية.
هذه هي الضمانات التي تحمي الفكرة من أن تتحول من حل إلى مشكلة جديدة.
ولذلك، فإن القواعد ينبغي أن تأتي قبل المقاعد.
والوظيفة قبل الهيكل.
والغاية قبل الأسماء.
والثقة قبل البيانات.
والشراكة قبل الحسابات.
وإذا أرادت شبوة أن تستفيد من تجارب المحافظات الأخرى، مثل حضرموت وغيرها، فهذا أمر إيجابي.
لكن الاستفادة شيء...
والاستنساخ شيء آخر.
فشبوة لها تركيبتها الاجتماعية، وتاريخها، وخصوصيتها، ومصالحها، وحساسياتها.
والتجربة الأفضل هي التي تستفيد من تجارب الآخرين، ثم تصنع نموذجًا شبوانيًا يعرف شبوة ويشبهها.
تجربة يكون فيها كل إطار مساحة من مساحات العمل العام، ويكون مجلس التنسيق التوافقي مساحة أخرى، وتظل الأحزاب والمكونات والمجتمع والسلطة المحلية والإعلام والمؤسسات الأكاديمية، كلٌّ منها، في موقعه واختصاصه.
لا أحد يلغي أحدًا...
والجميع يضيف شيئاً.
وهنا تتحول التعددية من صداع سياسي إلى رأس مال وطني.
فما الذي نريده في النهاية؟
لا نريد أن نثبت أن هذا الطرف أفضل من ذاك.
ولا أن نبحث عن منتصر في سؤال:
من يمثل شبوة أكثر؟
بل نريد شيئاً أبسط وأجمل:
أن تستفيد شبوة من الجميع.
أن يسمع الكبير للصغير.
وأن يسمع السياسي للمجتمع.
وأن يسمع صاحب القرار للنقد قبل أن يتحول إلى أزمة.
وأن يعرف المختلف أنه يستطيع أن يقول "لا" دون أن يفقد حقه في أن يكون جزءًا من "نعم" الأكبر.
نعم لشبوة.
وهنا يصبح معيار النجاح أكبر من نجاح أي كيان منفرد.
فليس النجاح أن يقول طرف:
"لقد مثلنا شبوة."
بل أن تستطيع شبوة، بمختلف أصواتها، أن تقول:
"وجدنا لأنفسنا مكانًا في مستقبلها، ورأينا مستقبل الوطن فيها."
وعندها فقط...
لن يكون نجاح مؤتمر، أو مجلس، أو مبادرة، هو الغاية.
ستكون الغاية أن تنجح شبوة نفسها في اكتشاف طريقة أجمل لإدارة اختلافها.
وإذا نجحت شبوة في ذلك، فلن تكون قد بنت مجلسًا أو مؤتمرًا فحسب...
بل تكون قد بنت شيئًا أهم:
ثقافة سياسية تعرف كيف تجمع المختلفين دون أن تلغي اختلافهم، وكيف تجعل الأصوات المتعددة تمضي معًا نحو غاية واحدة.
وهذه ليست فقط وصفةً لشبوة.
إنها واحدة من الوصفات التي يحتاجها اليمن كله.