آخر تحديث :الأربعاء-02 سبتمبر 2026-08:28ص

لماذا يدمَن العقل العربي إنتظار "الخلاص الخارجي"؟

الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 - الساعة 10:44 م
عوض عميران


في كل مرة يشهد فيها العالم اهتزازاً في موازين القوى الدولية، وتنقلب فيها خرائط النفوذ بين جبهة وأخرى، تسارع أطياف واسعة من الخطاب العربي إلى تعليق آمالها على "القطب الصاعد". وكأن المشكلة الهيكلية التي عطلت نهضة المنطقة وسلبتها فاعليتها الحضارية عقوداً طويلة كانت تكمن دائماً في اسم القوة المهيمنة على النظام الدولي أو هويتها، لا في البنية الداخلية للواقع العربي ذاته!

هذا الوهم بـ "المُخلص القادم من الشرق" ليس جديداً؛ فقد عشنا فصله الأول مع الاتحاد السوفيتي إبان الحرب الباردة، ونعيش فصله الثاني اليوم مع التمدد الاقتصادي والسياسي للصين. وعلى الرغم من الجاذبية النفسية التي يوفرها هذا التصور لمجتمعات تُعاني من وطأة الهيمنة الغربية، إلا أنه ينطوي على قدر هائل من السذاجة التاريخية والكسل الحضاري. فالأمم لا تنهض لأن إمبراطورية أفل نجمها وأخرى بَزغ، بل لأنها تمتلك من التماسك والفاعلية الذاتية ما يؤهلها لاستثمار التحولات الدولية، بدلاً من الارتهان لها والانتقال من كفيل إلى آخر.

المظلة النفسية والهروب من استحقاق الداخل

تتجلى الحقيقة العارية القاسية في أن الانتظار أريح نفسياً، وإن كان قاتلاً حضارياً. إن ارتهان العقل العربي لمجريات التوازنات الدولية ليس مجرد تقاعس سياسي عابر، بل هو إدمان نفسي يُعفي الذات من كلفة المواجهة الشاملة مع أزماتها الهيكلية.

بدلاً من أن نطرح الأسئلة الصعبة حول مكامن الفشل في منظوماتنا، نلجأ إلى تسكين ألم العجز عبر اختلاق مخلصين جُدد. تحول "القطب الصاعد" من مجرد رقم في معادلة القوة الدولية إلى "طوق نجاة مؤجل"، مما يُكرس الوهم بأن انزياح هيمنة واحتلال أخرى سيتكفل بنقلنا من القاع إلى القمة دون أن ندفع فاتورة البناء الذاتي الصارمة.

وهم "التبعية المتبدلة": دروس لا تتكرر إلا لتبين العجز

يكشف التاريخ الحديث لمرحلة ما بعد الاستعمار أن تبدل الأقطاب المهيمنة لا يمنح الشعوب الضعيفة نهضة مجانية. فبعد الحرب العالمية الثانية، انكمشت الإمبراطورية البريطانية وتراجعت فرنسا، غير أن أغلبيّة المستعمرات السابقة لم تتحول إلى دول قوية ذات سيادة، بل انتقلت بمرونة مأساوية من الفلك الاستعماري القديم إلى مظلة النفوذ الأمريكي أو السوفيتي.

وكان السبب البنيوي وراء ذلك بسيطاً وواضحاً: إن الاستقلال السياسي الشكلي لم يكن متبوعاً ببناء معرفي أو صناعي أو مؤسسي يخلق سيادة حقيقية. فالسيادة ليست مجرد راية تُرفع فوق مبنى حكومي، ولا نشيداً يُعزف في المحافل، بل هي القدرة الفاعلية على اتخاذ القرار المستقل دون خوف من الانهيار الاقتصادي، أو العسكري، أو التكنولوجي.

في المقابل، تقدم تجارب اليابان وكوريا الجنوبية شاهداً تاريخياً ينسف أسطورة الخلاص الخارجي:

اليابان: خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمرة ومسحوقة تحت نير الهزيمة والقنابل الذرية، لكنها لم تنتظر أفول الغرب لكي تنهض، بل اتجهت فوراً إلى صياغة استراتيجية صلبة تقوم على التعليم، والتصنيع، وثقافة العمل الصارمة، حتى غدت إحدى أعتى القوى الصناعية في العالم.

كوريا الجنوبية: كانت في خمسينيات القرن الماضي مجرد أرض محروقة وإحدى أفقر دول العالم، لكنها تحولت خلال عقود قليلة عبر الاستثمار الكثيف في الإنسان والتكنولوجيا إلى غول اقتصادي ينافس في أكثر الصناعات تعقيداً.

الاستفادة من التغيرات الدولية مناورة سياسية واجبة، لكن تعليق مصير النهضة عليها هو الانتحار الحضاري بعينه.

المفارقة الصينية: الصعود الذي لم يُولد من فراغ

تكمن المفارقة الكبرى في أن الصين نفسها – التي يُروّج البعض لصعودها بوصفه البديل الجاهز لخلاص العرب – تقدم الدليل المعاكس تماماً لهذا الوهم. فالصين لم تصبح قوة كبرى لأنها قعدت تنتظر سقوط الولايات المتحدة، بل لأنها أنفقت عقوداً من الزمن في بناء الذات بصبر استراتيجي هادئ وعميق.

منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، اتجهت بكين نحو الداخل:

ضخت استثمارات هائلة في إصلاح التعليم والبحث العلمي.

استقطبت التكنولوجيا وقامت بتوطينها وتطويرها محلياً.

حوّلت انفجارها السكاني من عبء اجتماعي إلى قوة إنتاجية ضاربة.

إن اختزال التجربة الصينية في كونها مجرد "صعود قطب نكاية بالغرب" هو قراءة سطحية وتسطيح مخل؛ لأن القوة الصينية وُلِدت من مشروع بنائي داخلي متكامل سبَق لحظة البروز الدولي بسنوات طويلة.

وعندما نحاول الاحتماء بالتحالفات دون بنية داخلية صلبة، نكرر أخطاء التاريخ؛ فقد حاولت الدولة العثمانية في مراحل أفولها الاحتماء بالتوازنات الأوروبية والمناورات السياسية، لكن التحالفات لم تنقذها من التفكك لأن الفجوة العلمية والإدارية كانت أعمق من أن ترممها الدبلوماسية. والأمر نفسه تكرر في دول أفريقية عديدة خرجت من الاستعمار بأعلام جديدة، لكنها ظلت مرتهنة ومكبلة اقتصادياً لأنها لم تبنِ قاعدة إنتاج مستقلة.

وفي المقابل، تقف دولة مثل سنغافورة كشاهد آخر: جزيرة صغيرة بلا موارد طبيعية، تحولت بالإدارة الكفؤة، والانضباط المالي، والتعليم الحديث إلى مركز اقتصادي عالمي يحسب له الجميع ألف حساب.

الثروة لا تصنع السيادة:

تضعنا هذه المقارنات أمام الحقيقة الأكثر إيلاماً في الواقع العربي المعاصر: امتلكت بعض دول المنطقة ثروات مالية خيالية، لكنها لم تتحول إلى قوى استراتيجية حقيقية بالمعنى الحضاري الكامل.

إن الثروة وحدها لا تنتج السيادة. المال قد يشتري نفوذاً مؤقتاً، ويشيّد أبراجاً شاهقة، ويستورد أحدث المنتجات التكنولوجية، لكنه يقف عاجزاً عن بناء قوة مستدامة في غياب بنية علمية وصناعية قادرة على الابتكار والتصنيع الذاتي.

لذا، فإن السؤال الإستراتيجي الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل بال الفكر والشارع العربي اليوم ليس: "من سيقود العالم غداً؟"، بل: "هل نمتلك نحن أسباب البقاء والفاعلية في عالم قاسٍ لا يرحم الضعفاء؟".

فالتحولات الدولية قد تفتح نافذة فرصة أو تُحدث إرباكاً في النظام العالمي، لكنها لا تمنح النجاح مجاناً لأحد. والوحيد القادر على استغلال الفرصة هو من يملك الجاهزية الداخلية: من تعليم كفء، ومؤسسات راسخة، واقتصاد منتج، ووعي استراتيجي حقيقي. أما الضعيف، فلن يفعل أكثر من تغيير اسم الكفيل أو استبدال راية التبعية بأخرى.

أسئلة النهضة المؤجلة

إن أولى خطوات الخروج من هذا التيه الحضاري تبدأ بالتحلي بالشجاعة الكافية لنقل البوصلة من الخارج إلى الداخل، ومواجهة الأسئلة الهيكلية التي أهملناها طويلاً:

لماذا تعثرت منظوماتنا التعليمية وفشلت في تحفيز التفكير النقدي والابتكار؟

لماذا تعطلت مؤسساتنا وغرقت في البيروقراطية أو غياب سيادة القانون؟

لماذا نستهلك المعرفة والتكنولوجيا ولا نشارك في إنتاجها؟

لماذا نملك المال الحاشد ولا نملك القوة الحضارية والتقنية المكافئة له؟

إن الإجابة الصريحة عن هذه الأسئلة والبدء في معالجتها هي نقطة الانطلاق الحقيقية لأي مشروع نهضوي جاد.

موقع الراكب لا يمنح حق القيادة

إن التبعية لقطب صاعد لا تصنع أمة قوية، تماماً كما أن تغيير موقع الراكب داخل السفينة لا يمنحه حق قيادتها، ولا يغير من مصيرها شيئاً إذا كانت متهالكة وتتسرب إليها المياه من كل جانب.

إن العالم لا يحترم الدول لأنها غيرت ولاءاتها أو استبدلت حلفاءها، بل يحسب الحساب لقوتها الذاتية، ويحتاج لإنتاجها المعرفي والاقتصادي، ويخشى بأس مؤسساتها. الطريق نحو المستقبل قد يكون طويلاً وشاقاً، لكن الشعوب لا تصنع تاريخها بانتظار التحولات التي يقودها الآخرون، بل عندما تقرر بنفسها أن تخوض معركة البناء، وتحتَمِل بكبرياء كلفة المعرفة والعمل والسيادة الحقيقية.