ليس السؤال: لماذا نحن فقراء؟
ولا: لماذا انقطعت الكهرباء؟
ولا حتى: لماذا تأخرت الرواتب؟
السؤال الأكثر قسوة هو: مَن سرقَ أعمارَنا؟
من الذي أقنعنا أن الانتظار قدر؟
من الذي جعلنا نؤجل أحلامنا عامًا بعد عام، حتى أصبح الحلم نفسه شيئًا نخجل من الحديث عنه؟
نحن لا نخسر المال وحده.
نحن نخسر شيئًا لا يمكن تعويضه: الوقت.
والوقت ليس رقمًا في التقويم. الوقت هو عمر أمضاه شاب في انتظار وظيفة، وسنوات قضتها أسرة وهي تحاول النجاة من الغلاء، وعمر معلمٍ يذهب إلى عمله كل صباح ثم يعود وهو يتساءل إن كان ما يتقاضاه يكفيه ليعيش بكرامة.
نحن ندفع من أعمارنا ثمنًا لأخطاء لم نرتكبها.
جيلٌ يتخرج، يحمل شهادته، ويقف أمام أبواب العمل.
يطرق مرة، ثم مرتين، ثم عشر مرات…
وفي النهاية يتعلم أن الشهادة وحدها لا تفتح الأبواب.
فيجلس.
تمر سنة.
ثم سنتان.
ثم خمس.
وفجأة، لا يعود السؤال: «متى سأجد وظيفة؟»
بل يصبح: «ماذا بقي من عمري؟»
وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية.
حين يتحول الشاب من شخص يبني مستقبله إلى شخص يحاول فقط ألا ينهار.
حين تصبح الوظيفة حلمًا، والراتب أمنية، والعلاج معركة، والكهرباء رفاهية، والأمان مطلبًا كبيرًا… علينا ألا نسمي ذلك «ظروفًا صعبة» فقط.
هناك فرق بين أن تكون الحياة صعبة، وبين أن يصبح الحرمان من الحياة الطبيعية هو الوضع الطبيعي.
الأخطر من كل ذلك أننا بدأنا نتأقلم.
وهذه الكلمة وحدها مخيفة.
تأقلمنا مع انقطاع الكهرباء حتى لم نعد نسأل لماذا.
تأقلمنا مع ارتفاع الأسعار حتى صار المواطن يحذف احتياجاته بدل أن يسأل عن أسباب ارتفاعها.
تأقلمنا مع البطالة حتى أصبح الخريج يخفي شهادته أحيانًا وكأنها تهمة.
تأقلمنا مع تأخر الحقوق حتى أصبح المطالِب بحقه يُنظر إليه وكأنه يطلب معروفًا.
متى أصبح الحق معروفًا؟
ومتى أصبح الحصول على أبسط مقومات الحياة إنجازًا يستحق الاحتفال؟
لا أحد يطلب أن تتحول البلاد إلى مدينة مثالية بين ليلة وضحاها.
لكن الناس تريد أن ترى شيئًا واحدًا: إرادة حقيقية في التغيير.
تريد أن تشعر أن هناك من يسمعها، لا من يطلب منها الصبر فقط.
لأن الصبر فضيلة، نعم.
لكن تحويل الصبر إلى سياسة دائمة ليس فضيلة.
وأن تطلب من جيل كامل أن ينتظر حتى تتحسن الظروف، دون أن تمنحه طريقًا واضحًا نحو التحسن، يعني ببساطة أن تطلب منه أن ينتظر حتى تنتهي سنوات عمره.
والعمر لا ينتظر أحدًا.
لن يعود الشاب إلى عمر العشرين بعد أن يبلغ الثلاثين.
ولن تستعيد الأسرة السنوات التي قضتها في الخوف من الغد.
ولن يعود الخريج إلى يوم تخرجه ليبدأ من جديد.
ولن يستطيع أحد أن يعيد للإنسان تلك السنوات التي كان من المفترض أن يعيشها، لكنه قضى معظمها في محاولة النجاة.
لهذا، فالقضية ليست اقتصادية فقط.
إنها قضية كرامة.
حين تعمل ولا تحصل على ما يوازي تعبك، فهذه ليست مشكلة راتب فقط.
حين تتعلم ولا تجد فرصة، فهذه ليست مشكلة وظيفة فقط.
حين تحلم ولا تجد طريقًا، فهذه ليست مشكلة حظ فقط.
إنها رسالة يشعر بها الإنسان في داخله تقول له:
«ليس لك مكان هنا.»
وهذه الرسالة أخطر من الفقر نفسه.
لأن الوطن الذي يفقد ثقة أبنائه، لا يخسر أموالًا فقط؛ يخسر طاقته، وأفكاره، وشبابه، وانتماءه للمستقبل.
كم من عقلٍ توقف عن الابتكار لأنه لم يجد فرصة؟
كم من خريجٍ أصبح يرى شهادته مجرد ذكرى جميلة؟
كم من شابٍ كان يمكن أن يكون مشروع نجاح، لكنه تحول إلى شخص ينتظر أي بابٍ يُفتح؟
وكم من امرأةٍ لديها علم وقدرة وطموح، لكنها تقف خلف بابٍ مغلق فقط لأن الفرص لا توزع دائمًا بعدالة؟
ثم نتساءل لماذا يتراجع المجتمع.
المجتمع لا يتراجع لأن أبناءه لا يملكون القدرة؛ يتراجع حين لا يجد أصحاب القدرة مكانًا يستخدمون فيه قدراتهم.
لهذا، فإن الوقت لم يعد وقت تجميل الواقع بالكلمات.
ولا وقت تكرار الوعود.
ولا وقت مطالبة الناس بمزيد من الصبر بينما أعمارهم تنقص كل يوم.
الوقت حان لأن نسأل بوضوح:
من المسؤول عن هذه السنوات التي ضاعت؟
ومن سيعيدها؟
نعرف أن السنوات لا تعود.
لكن يمكن أن نتوقف عن إضاعة المزيد منها.
يمكن أن نبدأ من التعليم، من العمل، من الخدمات، من محاربة الواسطة، من احترام الكفاءة، من إعطاء الشباب فرصتهم، ومن بناء مؤسسات تجعل القانون أقوى من العلاقات، والاستحقاق أقوى من المحسوبية.
قد تبدو هذه الكلمات كبيرة.
لكن الحقيقة أن استمرار الوضع أكبر منها.
لأننا إذا لم نتحرك اليوم، فغدًا لن نكون أمام جيل غاضب فقط؛ سنكون أمام جيل لم يعد ينتظر شيئًا.
وهناك فرق هائل بين الإنسان الذي ينتظر، والإنسان الذي فقد إيمانه بأن الانتظار سيغير شيئًا.
الأول يمكن أن تمنحه أملًا.
أما الثاني، فقد استُهلك أمله بالكامل.
لذلك، ليست دعوتنا اليوم إلى الغضب من أجل الغضب.
بل إلى غضبٍ يتحول إلى وعي، ووعيٍ يتحول إلى مطالبة، ومطالبةٍ تتحول إلى إصلاح.
لقد صبر الناس بما يكفي.
وانتظروا بما يكفي.
ودفعوا من أعمارهم بما يكفي.
فمَن سرق أعمارنا؟
ربما لا نحتاج اليوم إلى إجابة واحدة.
ربما نحتاج أولًا إلى أن نتوقف عن السماح لأعمارٍ جديدة بأن تُسرق بالطريقة نفسها.
لأن الوطن الذي يؤجل حياة أبنائه طويلًا، سيستيقظ يومًا ليكتشف أن أبناءه لم يعودوا يملكون وقتًا ليحلموا به.
وحينها… لن يكون السؤال: متى ستتغير الحياة؟
بل: لماذا انتظرنا كل هذا الوقت؟