آخر تحديث :الأربعاء-02 سبتمبر 2026-08:28ص

علي بُتّه.. الرجل الذي جعل من الكتاب ذاكرة لا تموت

الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 - الساعة 11:26 ص
د. أسامة عبدالاله الأصبحي


بعض الرجال لا تحتاج إلى كثير من الكلام لتعرف قيمتهم، يكفي أن تكون قد عرفتهم منذ طفولتك، ورأيتهم يكبرون أمامك، وبقي حضورهم جزءا من تفاصيل الحي والشارع والمدينة.


كان علي أحمد سعيد المعمري المشهور باسم (علي بُتّه)


جاري الذي كان يحرس ذاكرة تعز بالكتاب ، واحدا من هؤلاء الرجال بالنسبة لي كان جار وجزء من الحي، عرفته منذ طفولتي، ووعيت على وجوده في تفاصيل حياتنا اليومية، وعلى مكتبته (دار السلام) التي لم تكن مجرد مكان لبيع الكتب، بل كانت جزءا من المشهد الذي تشكلت فيه ذاكرتي وذاكرة أجيال من أبناء تعز.


رحل علي بُتّه، لكن رحيله بالنسبة لي ليس خبر وفاة رجل أعرفه، بل غياب وجه من وجوه الطفولة، وجار ارتبط اسمه بذاكرة المكان، ورجل ظل حاضرا في شارعنا وحيّنا ومدينة تعز لعقود.


كان يقف خلف رفوف (دار السلام) وكأنه يحرس شيئا أكبر من الكتب، كان يحرس شغف الناس بالقراءة، ويعرف ما يبحث عنه الطالب، وما يحتاجه الباحث، وما يمكن أن يلفت اهتمام القارئ.


لم يكن مؤلفا ولا أستاذا جامعيا، لكنه مارس دورا ثقافيا عظيما بصمت؛ فقد كان دليلا إلى الكتاب، ووسيطا بين القارئ والمعرفة، وصاحب مكتبة تحولت مع الزمن إلى معلم من معالم تعز الثقافية.


وكم من طالب دخل مكتبته بإمكانات محدودة، فخرج بكتاب؛ وكم من قارئ وجده يرشده إلى عنوان لم يكن يعرفه؛ وكم من باحث وجد في (دار السلام) نافذة تفتح له طريقا جديدا في المعرفة.


لهذا، فإن رحيله لا يعني أن تعز فقدت صاحب مكتبة فحسب، بل فقدت جزءا من ذاكرتها الثقافية والإنسانية.


أما أنا، فأحمل إلى جانب حزن المدينة حزنا شخصيا؛ فقد فقدت جارا عرفته منذ الطفولة، ورجلا كان حضوره جزءا من المشهد الذي وعيت عليه.


وأتذكر كلمات صديقي ابنه أسامة وهو يرثي والده: (انطفأ نوري) . وربما لا توجد عبارة أصدق من ذلك لوصف وجع الفقد؛ فقد كان علي بُتّه نورا لأسرته، ووجها مألوفا لجيرانه، ونورًا من نوع آخر لمدينة أحبّت الكتاب.


رحم الله جاري علي بُتّه، وغفر له، وجعل ما قدمه للعلم والقراء في ميزان حسناته.


رحل الرجل، لكن المكان الذي عاش فيه، والكتب التي مرّت بين يديه، والذكريات التي تركها في قلوب الناس، ستقول طويلا: كان هنا رجل أحب المعرفة، فأحبه الناس.


تعز اليوم لا تودّع صاحب مكتبة فقط؛ بل تودّع جزءا من طفولتنا وذاكرتنا.