أربعة أعوام مضت يا حسن، وكأنها تفاصيل بارحةٍ حزينة، حين تركتَ قلمك متكئاً على حافة الورق ومضيت في صمتك المهيب، تاركاً خلفك كرسياً شهد شغفك، ومكاتب صحافةٍ أنرتها بفكرك، باتت اليوم تفتقد ذلك الوقار ودماثة الخلق التي لم تفارق محياك يوماً. يا صديقي وأستاذي وملهمي، منك تلقفتُ أبجديات الصحافة الأولى، وتعلمتُ كيف تُصاغ الحقيقة بنبل مفرط؛ وبرغم قصر فترة العمل معك، إلا أنني أشعر بأنها كانت دهراً كاملاً من النضج، وحياةً حافلة بالعطاء اختصرت السنين.
عبر مكاتبك وملاحظاتك الدقيقة، تعلمتُ كيف أتحكم بأنفاس الكلمات؛ متى نضع الفواصل لنستريح، ومتى ننطلق بالعبارات، وأين نقف لنعبر بوعيٍ من فكرةٍ مكملةٍ إلى أختها، كما غيَّرتَ نظرتي للصحافة حين علمتني أن عنوان المادة ليس مجرد سطر عابر، بل هو الحد الفاصل بين نجاح العمل أو فشله. أتذكر جيداً كيف كنتُ أخطو بوجلٍ وخجلٍ شديدين كلما أوكلتَ إليّ مهمةً صحفية، فتمتد يدك الحانية لتضع بصماتك العظيمة على مسوداتي، وتُهذب حروفي حتى تخرج للناس نقيةً دسمةً كالحليب كامل النقاء والفائدة. فكنتَ لي نِعم الموجه، ونِعم السند الذي يُقوّم الخطو، والمنارة الشامخة التي تبدد حيرة البدايات العاثرة.
واليوم، وأنا أتحسس طريقي في بلاط صاحبة الجلالة، أجد رصيد نصائحك هو زادي الحقيقي، وأعاهدك أمام الله والورق أنني ما زلت أحذو حذوك، أقبض على مبادئك ذاتها، وأخطُّ بوعيك ذاته، محاولاً بكل ما أوتيت من قلم أن أفي بقية عهد الصحافة الشريفة التي كنت أنت أحد كبار فرسانها ونبلائها. لقد تركت غيبتك فراغاً مهولاً لا يسده أحد في أروقة الاتحاد اليمني للإعلام الرياضي، الذي خسرك وخسر أعمالك الكبيرة وبوصلتك التي لا تخطئ، يا جهبذ الإعلام ومعلّمه الأول.
أربع سنوات طوال لم تُنسنا نبرة صوتك المميزة التي كانت تطرد القلق، ولا ضحكتك الصافية النابعة من القلب لتستقر في القلب، وتلك الابتسامة الراضية التي لم تغادر ثغرك رغم وعثاء المرض وقسوة الظروف وعنادها. لقد غادرتنا جسداً، لكن "صحيفة عدن 24 الرياضية" ونبض الحروف التي سهرنا عليها في ليالٍ خوالٍ ما زالت تنبض باسمك، وتشهد في كل عددٍ وزاوية أنك كنت بحراً من العطاء والوفاء بلا حدود.
نَمْ قرير العين مطمئن الروح، فإن غرسك الطيب الشجري في قلبي وفي قلوب كل محبيك وتلاميذك لا يمكن له أن يموت، وإن الصديق الذي عاهدك يوماً على الوفاء ما زال يسترشد ببوصلتك، ويمضي على ذات الدرب الوعر، حاملاً لواء الكلمة الحرة الصادقة التي أفنيت زهرة عمرك من أجل إعلائها. رحمك الله يا حسن، وأسكنك فسيح جناته، وجعل نصحك وتعليمك وصبرك علينا في ميزان حسناتك، وغفر لك بقدر ما جادت به روحك من نقاء.
أخوك ومحبك التلميذ: خالد مبروك غالب