آخر تحديث :الثلاثاء-25 أغسطس 2026-01:11ص

المولد النبوي: بين التوظيف الفاطمي والاستغلال الحوثي

الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 - الساعة 12:06 ص
فؤاد جباري


يعد الاحتفال بالمولد النبوي واحدا من أبرز الظواهر الدينية التي تحولت عبر التاريخ من طقوس دينية ابتدعتها إحدى الفرق إلى أدوات سياسية بامتياز، فما بدأ كبدعة سياسية في الدولة الفاطمية تجدد اليوم في اليمن على يد مليشيا الحوثي وفق ذات المنهج والأهداف، ولكن بظروف مختلفة ونتائج أكثر كارثية، إذ أصبحت هذه الاحتفالات غطاء لنهب اقتصادي وهروب من المساءلة الشعبية في ظل أوضاع معيشية مأساوية للمواطنين في مناطق سطوتها شمالا.


يرجع المؤرخون، وعلى رأسهم تقي الدين المقريزي، بداية الاحتفال المنظم بالمولد النبوي إلى الدولة الفاطمية الشيعية الإسماعيلية في القرن الرابع الهجري، حيث نظم الخليفة الفاطمي المعز لدين الله أول احتفال رسمي عام 362 هـ، وذلك لأهداف سياسية بحتة تمثلت في إضفاء الشرعية على حكم أقلية شيعية لأغلبية سنية عبر إظهارهم (كأوصياء على النسب النبوي)، ومنافسة الخلافة العباسية في بغداد التي شككت في نسبهم، وتوحيد الدعوة الإسماعيلية عبر الاحتفال بموالد متعددة لأئمتهم، وإشغال الشعب عن انتقاداتهم ومطالبتهم بتحسن الأوضاع المعيشية. وقد بلغ الإنفاق على هذه الاحتفالات مئات الآلاف من الدنانير آنذاك وهي مبالغ ضخمة، مما دفع خصومهم السنة كصلاح الدين الأيوبي إلى إلغائها فور سقوط دولتهم.


تعيد مليشيا الحوثي اليوم إنتاج النموذج الفاطمي نفسه مع قفزة نوعية في آليات الاستغلال؛ ففي الجانب السياسي تحول المولد إلى عرض ضخم لإبراز القوة الجماهيرية واستعراض السلاح، واستعارة شعارات الثورة الإيرانية كـ"الموت لأمريكا" و"الموت لإسرائيل"، وترسيخ الهوية الطائفية على حساب الوطنية الجامعة. أما الابتكار الحوثي الأبرز فهو تحويل المولد إلى "موسم جباية" منهجي؛ حيث تفرض مبالغ مالية على كل أسرة ومحلات تجارية وشركات وغيرها، مع احتكار متعلقات الزينة وإجبار المطاعم والمخابز على تقديم تبرعات، ويقدر ما تقوم بجمعه هذه المليشيا بمليارات الريالات كل عام، بينما يعيش المواطنون في مناطق سطوتهم فقرا مدقعا.


وهنا تبرز حقيقة تاريخية لا مفر منها: لو كان الاحتفال بالمولد النبوي عبادة أو قربة يحتسب بها الأجر، لكان رسول الله ﷺ أولى الناس به، ولسبق صحابته الكرام والتابعين لهم بإحسان إلى إقامته، ولنقله إلينا الرواة والثقات كما نقلوا تفاصيل صلاته وصيامه وهجرته وحجه. لكن التاريخ شاهد أن النبي ﷺ لم يحتفل بمولده، ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي، ولا أحد من السلف الصالح، على الرغم من شدة محبتهم له وحرصهم على كل خير يقتدون به ويقربهم منه. هذا السكوت التام من خير القرون يعد أكبر دليل على أن هذه الاحتفالات لم تكن من الدين في شيء، بل هي حدث استحدث لأغراض دنيوية بحتة، وهو ما يثبت أن الحوثيين حين يقيمونها لا يتبعون سنة النبي، بل يتبعون سياسة الفاطميين الذي يحملون نفس الأفكار السلالية في توظيف الدين لمآرب سلطوية بحتة.


تمثل هذه الاحتفالات أيضا أداة نفسية للهروب من المساءلة المجتمعية، إذ يشغل الحوثيون الناس بالاستعراضات الصاخبة التي تصرف عليها المليارات، بدلاً من مناقشة غلاء المعيشية وارتفاع الأسعار وانقطاع المرتبات وانعدام فرص العمل وغيرها من المتطلبات المعيشية، متخذين الدين غطاء لإخفاء فشلهم الإداري والاقتصادي.


والمفارقة التاريخية الأهم أن الحوثيين يعون تمامًا أن هذه الحيلة لم تؤتي أكلها في القرن الرابع الهجري، فالدولة الفاطمية سقطت، وموالدها التي أقاموها لم تحم دولتهم من الانهيار، بل سارع خصومهم إلى إلغائها بوصفها بدعا سياسية، فكيف بهم اليوم في زمن تنتشر فيه التكنولوجيا ووسائل التواصل ويكاد يخلو فيه العالم من أي خفايا؟!


في القرن الحادي والعشرين، وفي ظل انتشار وسائل التواصل وارتفاع الوعي الشعبي، تصبح هذه المحاولات أكثر كشفا وسخافة، فالمواطنون في مناطق سطوتهم اليوم ليسوا كالمصريين في القرن الرابع الهجري، إذ يرى المواطن بأم عينيه كيف تنفق المليارات على الزينة الخضراء بينما يتضور وأطفاله جوعا.


هذه المظاهر - لا شك - تؤكد أن الحدث سياسي بامتياز يراد منه تحقيق الرضا الشعبي والظهور بمظهر المحب للنبي دون أن يكون تعبيرا شرعيا صحيحا عن ذلك الحب. يبقى أن استغلال الدين لأغراض سياسية ليس جديدا، ولكن نجاحه يظل رهنا بوعي الشعوب، والحوثيون وهم يكررون نموذجا فاشلا بعد ألف عام يثبتون أنهم يعيشون خارج سياق التاريخ، ويظنون أن شعوبا أنهكتها الحروب ستسلم عقولها لاستعراضات بدعية رخيصة لا تخفي واقعا معيشيا مأساويا ولا شرعية سياسية هزيلة.