آخر تحديث :الثلاثاء-25 أغسطس 2026-01:11ص

عزيزي الطبيب حاول ألّا ترفض مريضاً..

الإثنين - 24 أغسطس 2026 - الساعة 10:20 م
د.أوسان سالم حميد


حين يعجز المريض عن الدفع ... لا تعجز إنسانيتنا عن العطاء .

نقيب أطباء الأسنان عدن

قبل عام كتبت عن مسؤوليتنا الإنسانية والمهنية تجاه مرضانا، واليوم أجد نفسي مضطرًا للعودة إلى الفكرة ذاتها، ولكن بوجعٍ أكبر، لأن الظروف المعيشية التي يمر بها الناس أصبحت أكثر قسوة، وقد أصبح العلاج بالنسبة لكثير من الأسر عبئًا يفوق قدرتها على الاحتمال.

نحن كأطباء أسنان نعيش هذه الظروف ونشعر بها، وندرك أن عياداتنا ليست مجرد أماكن لتقديم الخدمة الطبية، بل هي في كثير من الأحيان المكان الذي يأتي إليه إنسان متألم، يحمل معه خوفه ووجعه وإمكاناته المحدودة.

لذلك، لا ينبغي أن يكون عجز المريض عن دفع كامل تكلفة العلاج سببًا في أن نغلق في وجهه باب العلاج.

لا أقول إن الطبيب مطالب بأن يعمل بلا مقابل، أو أن نتجاهل تكاليف العيادات والمواد والأجهزة والالتزامات التي يتحملها الطبيب؛ فهذا أمر غير منطقي وغير عادل. ولكن ما أقصده هو أن نبحث دائمًا عن مساحة للرحمة، ومرونة في التعامل، وحلول تحفظ للمريض كرامته وللطبيب حقه.

قد نستطيع تخفيض جزء من التكلفة، أو تأجيل الدفع، أو تقسيم العلاج إلى مراحل، أو تقديم ما هو ضروري وعاجل وتأجيل ما يمكن تأجيله… وقد تكون هذه الأمور بسيطة في نظر الطبيب، لكنها بالنسبة لمريضٍ لا يملك ثمن علاجه قد تعني الكثير.

أيها الزميل العزيز…

تذكر أن المريض الذي يقف أمامك قد يكون أبًا أو أمًا، أو شابًا لا يملك دخلاً، أو طفلاً أرسله والداه وهما في حيرة من أمرهما، وقد يكون شخصًا ادّخر لأشهر حتى يستطيع الوصول إلى عيادتك.

لا تجعل ضيق حاله سببًا في أن يشعر بأنه غير مرغوب فيه.

فالطبيب لا يُقاس نجاحه فقط بعدد المرضى الذين عالجهم أو مقدار ما حققه من دخل، وإنما أيضًا بعدد المرات التي استطاع فيها أن يخفف ألم إنسان، وأن يحفظ كرامته، وأن يكون سببًا في عودة الابتسامة إلى وجهه.

ومع قسوة الظروف، تبقى إنسانيتنا هي رأس مال مهنتنا الحقيقي.

فلنحاول قدر الإمكان ألا نرد مريضًا جاءنا طلبًا للعلاج، ولنجعل من عياداتنا أماكن يجد فيها المريض العلاج والاحترام والرحمة معًا.

وفي المقابل، فإنني أتوجه إلى المرضى أيضًا برسالة صادقة:

قدّروا طبيبكم، واحترموا جهده، ولا تنظروا إلى تكلفة العلاج باعتبارها ربحًا فقط؛ فهناك مواد وأجهزة ورواتب وإيجارات وتكاليف تشغيل يتحملها الطبيب حتى يستطيع الاستمرار في تقديم الخدمة.

المعادلة التي نحتاجها اليوم هي أن نحمي حق الطبيب، ونراعي ظروف المريض، ونحافظ على أخلاق المهنة.

إنها ليست دعوة للتنازل عن حقوق الطبيب، وإنما دعوة إلى أن نكون أكثر رحمةً في زمنٍ أصبح فيه الناس بحاجة إلى بعضهم أكثر من أي وقت مضى.

قد ينسى المريض يومًا كم دفع في عيادتك، لكنه لن ينسى الطبيب الذي وقف إلى جانبه عندما كان عاجزًا.

فلنكن أطباء للإنسان قبل أن نكون أطباء للأسنان.

ولنجعل رسالتنا في هذه الظروف الصعبة واضحة:

لا نريد أن يُحرم إنسان من العلاج لأنه لا يملك ثمنه كاملًا، ولا نريد في الوقت نفسه أن يُظلم الطبيب أو تُهدر حقوقه.

نريد توازنًا تصنعه الأخلاق، وتحكمه الإنسانية، ويحفظه الاحترام المتبادل.

فهذه مهنتنا…

وهذه رسالتنا…

والإنسان أولًا.