احياناً تأتي الجوائز من الخارج لتضع امامنا مرآة تكشف ما لم ننتبه اليه في الداخل. وهذا ما حدث مع الأستاذة القديرة نجلاء شمسان، التي فازت بجائزة افضل المتاحف التراثية الشخصية ضمن الدورة الأولى من جوائز الإعلام التراثي العربي لعام 2026، التي اطلقها الاتحاد العربي للإعلام التراثي لتكريم الإعلاميين والباحثين والكتاب والفنانين والمبدعين والمؤسسات التي تعمل على صون التراث والذاكرة الثقافية العربية.
اهمية هذا الفوز لا تكمن في الجائزة وحدها، رغم أنها جائزة عربية جديدة تضع اسم اليمن في المشهد التراثي العربي، وإنما في أنها اعادت تسليط الضوء على تجربة يمنية استثنائية اسمها "متحف البيث اليمني للموروث الشعبي"، وعلى امرأة كرست اكثر من ثلاثة عقود من حياتها لجمع وحفظ وتوثيق ملامح من الموروث اليمني، في وقت تراجعت فيه ادوار المؤسسات الرسمية المعنية بالثقافة والتراث.
فالأستاذة نجلاء شمسان لم تجمع الملابس والمقتنيات والتحف التراثية باعتبارها اشياء قديمة تستحق الاحتفاظ بها فحسب، بل تعاملت معها باعتبارها وثائق حية لذاكرة مجتمع. فالقطعة التراثية تحمل قصة مكان، والزي يحكي عن هوية، والأداة القديمة تختزن طريقة حياة، ومجموع هذه التفاصيل هو الذي يصنع ذاكرة الشعوب.
ومن هنا تأتي قيمة " متحف البيث اليمني للموروث الشعبي". فهو ليس مجرد متحف شخصي، وإنما مساحة تحفظ شيئاً من الذاكرة اليمنية في زمن تتعرض فيه اجزاء كثيرة من تراثنا للاندثار او الاهمال او الضياع. وهو ايضاً جسر يصل الماضي بالحاضر، ويمنح الاجيال الجديدة فرصة لأن ترى جانباً من اليمن الذي قد لا تعرفه الا من خلال الحكايات.
والاهم أن الأستاذة نجلاء لم تحتفظ بهذا الموروث لنفسها، بل حملته الى المناسبات الوطنية والمحافل الدولية، وقدمته باعتباره جزءاً من صورة اليمن وهويته الحضارية. فعلت ذلك بشغف ومسؤولية، وفي ظروف لم تكن سهلة، ودون أن تتعامل مع غياب الامكانات باعتباره سبباً للتوقف.
والمفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها هي أن امرأة واحدة استطاعت أن تحافظ على مشروع تراثي وتطوره وتوصله الى محافل عربية، بينما ما زالت مثل هذه التجارب بحاجة الى اهتمام رسمي اكبر، والى من ينظر اليها باعتبارها جزءاً من العمل الثقافي الوطني، لا مجرد مبادرات فردية.
انا لا اتحدث هنا عن تكريم شخصي للأستاذة نجلاء شمسان، وإنما عن مسؤولية الدولة تجاه مشروع يمثل جزءاً من الذاكرة الوطنية. فالثقافة والتراث لا ينبغي أن يكونا في ذيل اولويات المؤسسات الرسمية، ولا أن ينظر اليهما باعتبارهما نشاطاً هامشياً يمكن تأجيله كلما ازدحمت الملفات السياسية والاقتصادية.
اليمن اليوم احوج ما يكون الى استعادة صورته الحضارية. وإذا كانت الحرب قد ارهقت الدولة والمجتمع، فإنها جعلت الحفاظ على الذاكرة الوطنية اكثر الحاحاً، لأن ما يفقده اليمن من تراثه لا يمكن تعويضه بالمال بعد سنوات.
إن التراث الثقافي ليس ماضياً نحتفظ به في خزائن او متاحف، بل هو ذاكرة وطن وهوية شعب وقوة ناعمة يمكن أن تقدم اليمن للعالم بصورة مختلفة: بلد لا تقيده الحرب، ولا تختزله الأزمات، وإنما يمتلك تاريخاً وثقافة وموروثاً يستحق أن يرى ويحفظ ويروى.
ولذلك فإن فوز صاحبة "متحف البيت اليمني للموروث الشعبي" بجائزة عربية يجب ألا يمر كخبر عابر. إنه فرصة لأن تلتفت الجهات المعنية الى هذه التجربة، وأن تنتقل من الاعجاب بها الى دعمها، ومن تركها كمبادرة فردية الى التفكير في تطويرها وتوسيعها باعتبارها مشروعاً ثقافياً وطنياً.
لقد اثبتت الاستاذة نجلاء شمسان أن المبادرة الفردية تستطيع أن تصنع اثراً كبيراً حتى في اصعب الظروف، لكن الدولة تملك ما لا يملكه الفرد؛ فهي تملك القدرة على تحويل التجارب الناجحة الى مؤسسات مستدامة، وحمايتها، وتوفير الامكانات لها، وايصالها الى اجيال قادمة.
ولهذا، هل كان بالضرورة أن تحظى تجربة الأستاذة نجلاء بجائزة عربية حتى نلتفت نحن الى قيمتها؟ وهل ستدفع هذه الجائزة المؤسسات الرسمية المعنية بالثقافة والتراث الى اعادة النظر في هذه التجربة وغيرها من المبادرات الفردية التي تحمل عبء الحفاظ على ذاكرتنا الوطنية؟
لا شك أن الأستاذة نجلاء شمسان رفعت اسم اليمن عالياً، وأن " متحف البيث اليمني للموروث الشعبي" حفظ جانباً من ذاكرة اليمنيين كي لا يضيع او ينسى او يمحى. لكن هذا النجاح يستحق اهتماماً رسمياً يتناسب مع قيمته، لأن المبادرات الفردية الخلاقة لا ينبغي أن تظل وحدها في مواجهة مسؤولية هي في الأصل مسؤولية وطنية.
لقد فعلت الاستاذة نجلاء شمسان ما استطاعت، على مدى اكثر من ثلاثين عاماً، وبإمكانات محدودة وشغف لا محدود.
فهل تفعل الدولة ما تستطيع؟