حين يُصرح مبعوث سياسي غربي بحجم توم باراك بـ «أن الأنبياء عجزوا عن حل مشاكل الشرق الأوسط»، فهو لا يكتفي بتقديم الاعتذار المسبق عن فشل الإدارات الأمريكية متعاقبة، بل يمارس نمطاً استشراقياً متجدداً يهرّب الفاعل الحقيقي من المسؤولية عبر إسقاط العجز التاريخي على الجغرافيا وأهلها، وتحويل جراح المنطقة إلى "قدر غيبي" لا تلين له العزائم ولا تنفع معه الأدوات.
تُشبه هذه المقولات صرخات الهروب إلى الأمام، لكنها في جوهرها تسعى لمنح الشرعية لوظيفة هندسية جديدة: رسم المنطقة مجدداً بقلم ومسطرة يُعيد بها الفاعل الإمبريالي تدوير أوهامه، امتداداً لتركة لورنس العرب وهاري سانت جون فيليبي (عبد الله فيليبي).
أولاً: الاستشراق السياسي وقلم الهندسة القسرية
لم يكن تصريح باراك مجرد تقييم واقعي لموازين القوى، بل يعكس ذهنية الهيمنة التي ترى في الشرق الأوسط مسرحاً تجريبياً دائماً.
إعادة تدوير الأدوار: كما قسّم غريغوري بيكو ومارك سايكس الشرق الأوسط على أنقاض الدولة العثمانية، يجيء المبعوثون الجدد بحمولة مفاهيمية لا تختلف كثيراً؛ حيث يتم التعامل مع الشعوب كـ "مكوّنات صامتة" قابلة للتشكيل الهندسي وفق الرغبة الجيوسياسية.
عقيدة الحرب المقدسة: عندما أعلن جورج بوش الابن عقب أحداث 2001 أنها "حرب صليبية"، لم تكن التسمية مجرد زلة لسان، بل كانت كشفاً عن مخيال سياسي غريب يستحضر صراعات القرون الوسطى لتبرير استراتيجيات القوة الناعمة والخشنة.
التنصل من التبعات: بوضع المقارنة بين الفشل الإمبريالي الحديث وعجز الأنبياء المزعوم، يُراد للشعوب أن تصدق أن أزمات الحروب والاستبداد وسلب الثروات هي طبع في النسيج الحضاري للمنطقة، وليست نتيجة طبيعية لعقود من التدخلات والتفكيك الممنهج.
ثانياً: المركزية الغربية وتاريخية الوعي الحضاري
من المزالق الكبرى في قراءة المشهد السياسي السائد، وصف تصريحات من هذا النوع بـ "الذكاء أو القوة"، وهو ما ينمّ عن جهل عميق بالمرجعيات الحضارية والدراسات الإنسانية للشعوب.
أوروبا التاريخية بين الوثنية والتوحيد: في الوقت الذي كانت فيه الحضارات الشرقية البابلية، والفرعونية، والسبئية، ثم الإسلامية لاحقاً تنتج أبعاداً تنظيمية وأخلاقية متقدمة للوجود البشري، كانت معظم أجزاء القارة الأوروبية غارقة في مجتمعات بدائية ووثنية هشة - باستثناء الإشراقات الفلسفية المعزولة في أثينا ومقدونيا.
إفساد المفاهيم التوحيدية: عندما احتضنت أوروبا المسيحية رومانيّاً وبيزنطيّاً، لم تطبّق الفكرة التوحيدية بنقائها المطلق، بل مزجتها بالحيرة الفلسفية اليونانية والتقاليد الرومانية. أسفر ذلك عن تركيبات عقائدية معقدة حول ماهية الإله والوجود، تحوّل فيها الدين إلى أداة تبرير للسلطة السياسية والحروب الإمبراطورية.
ثالثاً: إشكالية التقديس وتأليه الموروث في الفكر الشرقي
إن النقد الموجه للهيمنة الخارجية لا يكتمل إلا بنقد ذاتي شجاع للبنية الفكرية داخل الشرق نفسه. فكما تأثرت المسيحية بالفلسفة اليونانية والبيزنطية، شهد الفكر الإسلامي عبر محطاته التاريخية انزلاقات متوازية في فهم "المقدس".
من النموذج الأخلاقي إلى الكائن الأسطوري: تحول التعاطي مع رموز آل البيت والإمامة لدى بعض الاتجاهات الفكرية والسياسية من الاقتداء الأخلاقي والسياسي المبدئي إلى حالة من الغلو والتأليه الضمني، حيث جرى استثمار ذوات بشرية وتجريدها من أبعادها التاريخية لتحويلها إلى كائنات غيبية خارقة.
التماهي مع النموذج البيزنطي: تماماً كما صنعت اللاهوتيات البيزنطية نموذجاً يسوعياً مفارقاً للمادة والإنسان لتثبيت الهيمنة الكنسية والإمبراطورية، جرى استغلال الرمزية الدينية في الشرق لصناعة بشر فوق النقد، يُصعّب الفرز بينهم وبين الذات الإلهية في المخيال الشعبي، مما شلّ العقل الجمعي وجعله عرضة للاستقطاب والتبعية.
تغشية العقل الناقد: إن غياب الفهم الواعي للتوحيد بمعناه التحرري هو الذي شرع الأبواب أمام القوى الخارجية للاستثمار في الصراعات الطائفية، وتوظيف الخرافة الدينية كأداة للتحكم والاستعباد السياسي.
خلاصة: نحو استعادة الفاعلية الحضارية
إن الخروج من دورة الفشل والتبعية لا يكون بانتظار مسطرة "توم باراك" ولا بإنكار العيوب الذاتية التي تعتري العقل الشرقي.
تقتضي المواجهة الحقيقية خطوات متوازية:
تفكيك المركزية الغربية: بكشف تهافت المقولات الاستشراقية التي تسعى لتأبيد العجز في المنطقة.
تحرير المقدس من الغلو: بإعادة قراءة التاريخ والفكر الديني بقيم التوحيد النقي والعقلانية الناقدة التي تميز بين التقديس الأخلاقي الخلاق وبين الأسطرة الشاملة للرموز التاريخية.
حين يستعيد الشرق وعيه الحضاري المستقل، ستسقط مساطر "لورنس" و"باراك"، ويغدو البحث عن الحلول صناعة داخلية يملكها أصحاب الأرض لا المبعوثون القادمون من وراء البحار.