ليس كل من حمل صفة المسؤول كان بعيداً عن الناس، وليس كل من غاب عن الميدان غائباً عن المشهد. لكن في أوقات الأزمات والمعاناة، تبقى المواقف هي المعيار الحقيقي، ويبقى الحضور إلى جانب المواطنين هو ما يصنع الفرق، والتاريخ وحده كفيل بإنصاف من ظلوا في الميدان ولم يهربوا من الواقع الصعب.
ومن هذا المنطلق، أجد من واجبي الصحفي والمهني أن أشيد بعدد من الوزراء والمسؤولين الذين اختاروا البقاء في عدن والمحافظات المحررة، والوقوف إلى جانب المواطنين في ظل الأزمات والمعاناة، كلٌّ وفق إمكانياته وقدراته.
وفي مقدمة هؤلاء يأتي دولة رئيس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، الذي يستحق، إلى جانب عدد محدود من الوزراء والمسؤولين، التحية والتقدير من أبناء عدن والمحافظات المحررة، لكونهم ظلوا قريبين من المواطنين وتحدياتهم اليومية.
وهناك أسماء أرى أنها وقفت إلى جانب الناس، وفي مقدمتها الفريق محمود الصبيحي، نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، قبل تعرضه لوعكة صحية قللت من ظهوره خلال الفترة الماضية، إلى جانب الوزراء محسن حيدرة العمري، ونايف البكري، والعقربي، ومختار اليافعي، وسالم العولقي، ونائب رئيس هيئة الأركان العامة اللواء أحمد البصر، ومحافظ عدن عبدالرحمن شيخ، وآخرين.
وهذه المواقف لا ينبغي أن تمر دون توثيق، لأن التاريخ لا ينصف الأشخاص من خلال المناصب والألقاب، وإنما من خلال مواقفهم في الظروف الصعبة، وحضورهم بين الناس عندما تكون الحاجة إليهم أكبر.
وليس بعيداً عن الذاكرة نماذج سابقة لمسؤولين عرفوا بالصمود في عدن، وفي مقدمتهم نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية الأسبق أحمد الميسري، ورئيس الوزراء الأسبق الدكتور أحمد عبيد بن دغر، ووزير الدفاع السابق الفريق الركن الدكتور محسن محمد الداعري.
لقد واجه هؤلاء، بحسب ما عرفناه وعشناه، ظروفاً أمنية وسياسية صعبة، ولم يغادروا عدن إلا بعد إبعادهم عنها. ولذلك فإن مواقفهم تظل حاضرة في ذاكرة من تابعوا تلك المراحل والظروف.
وفي المقابل، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أين بعض المسؤولين من واقع المواطنين ومعاناتهم؟
هناك مسؤولون يقيمون في فنادق خارج البلاد، ولا يظهرون إلا بين حين وآخر عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. وهنا يحق لنا أن نتساءل: إلى أي مدى يستطيع المسؤول أن يكون قريباً من واقع الناس وأزماتهم ومعاناتهم، وهو بعيد عنهم؟
أنا لا أكتب هذا الكلام من باب التمجيد لأحد، ولا انطلاقاً من موقف شخصي من أحد، وإنما انطلاقاً من واجبي كصحفي يرى أن من حق الناس أن تعرف من وقف معها في أصعب الظروف، ومن اختار أن يكون بعيداً عنها.
فالصحافة المهنية لا ينبغي أن تكون أداة للتمجيد، كما لا ينبغي أن تكون وسيلة للتجريح، وإنما عليها أن توثق المواقف وتنصف أصحابها، وأن تضع الحقائق أمام إنصاف التاريخ.
وسيظل التاريخ وحده قادراً على حفظ مواقف من صمدوا على الأرض، كما سيحفظ مواقف من اختاروا الابتعاد عنها.
ومن هنا أجدد شكري وتقديري لدولة رئيس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، ولكل مسؤول ثابت في موقعه، وقريب من معاناة المواطنين، ويقدم ما يستطيع في حدود إمكانياته.
فالمناصب والألقاب لا تكفي وحدها، وما يبقى في النهاية هو الموقف والعمل والحضور إلى جانب الشعب.