أحيانًا لا تكون المشكلة في أن الناس لا يعرفون ماذا يريدون، بل في أن كل واحد منهم يرى الأمر من زاويته، ولا توجد آلية تجعل هذه الرؤى تلتقي عند ما ينفع الجميع.
وهنا تبدأ أهمية المجلس التنسيقي التوافقي في شبوة؛ ليس لأنه يضيف كيانًا جديدًا إلى المشهد، وإنما لأنه قد يضيف طريقةً جديدة لإدارة المشهد نفسه.
فشبوة ليست محافظة بلا أصوات؛ فيها أحزاب ومكونات، وشخصيات اجتماعية ووطنية، وأكاديميون ومثقفون، وشباب ووجهاء، وفاعلون من اتجاهات متعددة.
وهذا التنوع ليس مشكلة، بل هو في الأصل ثروة اجتماعية وسياسية.
المشكلة فقط حين لا نجد الطريقة التي تجعل هذا التنوع يتحول إلى قوة.
ومن هنا يمكن أن تأتي قيمة المجلس التوافقي: ليس لإلغاء الاختلاف، ولا لجعل الجميع يتحدثون بالطريقة نفسها، وإنما لمنح هذه الأصوات مساحة منظمة تسمح لها بأن تسمع بعضها، وتفهم بعضها، وتبحث عما يمكن أن يجمعها.
فالسياسة الناضجة لا تحتاج إلى أن يتفق الناس في كل شيء؛ تحتاج إلى أن يعرفوا أين يمكن أن يتفقوا، وكيف يختلفون دون أن يخسر بعضهم بعضاً.
وهذه ليست مسألة سياسية فحسب؛ إنها أيضاً مسألة إدارة.
فالمؤسسة الجيدة لا تنتظر المشكلة حتى تكبر، بل تحاول أن تسمع الإشارة الأولى وتفهم الخلل مبكراً.
والسياسة الناضجة تفعل الشيء نفسه: تناقش القضايا قبل أن تتراكم، وتسمع الملاحظات قبل أن تتحول إلى احتقان، وتوفر مساحة للتشاور قبل أن تصبح المسافة بين الأطراف أكبر من اللازم.
ولهذا، فإن أجمل ما يمكن أن تضيفه الفكرة هو أن يصبح التشاور ممارسةً مستمرة، لا رد فعل مؤقتًا.
لكن نجاحها يرتبط بوضوح طبيعتها.
فالمجلس التوافقي ليس بديلًا عن السلطة المحلية، ولا منافسًا لمؤسسات الدولة، ولا مساحة لإقصاء طرف لصالح طرف؛ بل هو، إذا أُحسن تأسيسه، إطار للتنسيق والتشاور وتقريب وجهات النظر وخدمة المصلحة العامة.
وهنا يأتي القانون لا بوصفه قيدًا على التوافق، بل بوصفه الضمانة التي تمنحه شرعيته وثقته.
فحرية العمل السياسي حق، والشراكة المجتمعية قيمة، والسلطة المحلية مؤسسة لها اختصاصاتها، والإعلام شريك في نقل صوت المجتمع؛ وكل ذلك يمكن أن يعمل معًا حين يعرف كل طرف حقوقه ومسؤولياته.
والتوافق الحقيقي لا يلغي المؤسسات؛ بل يقوي قدرتها على الاستماع والتنسيق والاستجابة.
والأهم أن تكون التجربة شبوانية بامتياز
إذا كانت محافظات أخرى قد اتجهت إلى تشكيل مجالس تنسيقية توافقية، فمن الطبيعي أن تستفيد شبوة من التجارب والخبرات.
لكن الاستفادة شيء، والاستنساخ شيء آخر.
فشبوة لها تركيبتها الاجتماعية وتاريخها وخصوصيتها وأولوياتها.
لذلك، فإن الأفضل أن تصنع تجربتها بنفسها؛ تجربة تستفيد من الآخرين، لكنها تعرف ما يناسبها هي.
وهنا لا ينبغي أن تبدأ الحكاية من سؤال: من سيجلس؟
بل من سؤال أهم: ماذا نريد أن نحقق؟
فالقواعد قبل المقاعد، والوظيفة قبل الهيكل، والغاية قبل الشكل.
وإذا أُريد للتجربة أن تنجح، فلتكن الشراكة حقيقية، والتمثيل متوازنًا، والاختصاص واضحًا، وآليات العمل شفافة؛ بحيث يشعر الجميع أن المجلس مساحة لهم، لا مساحة عليهم.
وهنا يصبح التوافق قوةً حقيقية
حين يتحدث الحزبي من موقعه، والاجتماعي من موقعه، والأكاديمي من موقعه، والشاب من موقعه، ثم يجد الجميع مساحة يقولون فيها:
قد نختلف في أشياء كثيرة، لكن شبوة تستحق أن نتفق على ما يحميها وينهض بها.
عندها يتحول الاختلاف من عبء إلى مورد، والتعددية من مصدر قلق إلى مصدر معرفة، والنقاش إلى وسيلة لتحسين القرار لا مجرد مناسبة لإعلان المواقف.
فالمحافظة المتماسكة ليست التي لا تختلف...
بل التي تعرف كيف تدير اختلافها.
وربما هنا تكمن قيمة الفكرة كلها.
نحن لا نحتاج إلى مجلس يجعل شبوة تتحدث بصوت واحد؛ فالصوت الواحد قد يكون جميلًا في الأغنية...
لكن المجتمع أكثر جمالًا حين تتعدد فيه الأصوات، ثم تتكامل عندما يتعلق الأمر بالمصلحة العامة.
نحتاج إلى أن يتحدث الجميع، وأن يُسمع الجميع، ثم نبحث معًا عن الاتجاه الذي يخدم شبوة.
ومن هنا يمكن أن يصبح المجلس التوافقي أكثر من مجرد إطار سياسي: مساحة لتبادل المعرفة، و جسراً بين المجتمع وصانع القرار، وآلية لتقريب الرؤى، و مدخلاً لإدارة الاختلاف بعقل مؤسسي.
وإذا نجح في ذلك، فلن تقاس قيمته بعدد الاجتماعات أو البيانات، بل بقدرته على جعل الخلاف أقل كلفة، والحوار أكثر فاعلية، والقرار أكثر فهمًا للمجتمع.
وأن يشعر المواطن أن هناك من ينظر إلى شبوة باعتبارها مجتمعًا كاملًا، لا مجرد مجموعات متنافسة على تمثيلها.
شبوة أمام فرصة تستحق أن تُحسن استثمارها
الفرصة ليست فقط في تشكيل مجلس، بل في أن تقدم شبوة نموذجًا سياسيًا ومؤسسيًا مختلفًا:
نموذجًا لا يلغي أحدًا، ولا يحتكر المحافظة، ولا يخاف من التعدد، ولا يرى في الرأي المختلف تهديدًا.
نموذجًا يقول إن الشراكة ليست أن نتفق دائمًا...
بل أن نختلف بأمان، ونتحاور باحترام، ثم نبحث عن المشترك الذي نستطيع أن نبني عليه.
وهذا هو التوافق الذي يستحق أن نبنيه:
توافق لا ينتصر فيه طرف على طرف، ولا يخسر فيه أحد مكانه؛ بل تنتصر فيه شبوة نفسها.
فالأسماء قد تتغير، والتحالفات قد تتغير، والظروف السياسية قد تتغير...
لكن ما يستحق أن يبقى هو أن تتعلم شبوة كيف تجعل تعدد أصواتها مصدر قوة، لا سببًا للانقسام.
وحين تستطيع الأصوات المختلفة أن تجد اتجاهًا مشتركاً عندما تكون مصلحة شبوة هي القضية...
فربما لا تكون القيمة الحقيقية في أن ننجح في تشكيل مجلس جديد، بل في أن نبدأ من خلاله ببناء طريقة أجمل في التفكير والعمل معاً طريقة لا تجعل اختلافنا سببًا للابتعاد، بل فرصة لأن يكمل بعضنا بعضًا، وأن يجد كل صوت مكانه، وكل جهد طريقه، وكل اختلاف مساحةً للحوار.
فكلنا، في النهاية، شبوة... وكل ما نريده لها أن تكون أوسع من خلافاتنا، وأكبر من أسمائنا، وأبقى من كل لحظة سياسية عابرة.
وإذا نجحنا في ذلك هنا، فلن تكون التجربة مجرد تجربة شبوانية؛ بل مثالًا يحتذى به على أن المجتمعات لا تصبح أقوى حين تتشابه أصواتها، وإنما حين تعرف كيف تجعل اختلافاتها مصدر قوة، وتمضي بأصواتها المتعددة نحو غاية واحدة.